إنّ مواجهة أهل الباطل المتمكنين في الأرض كـ «فرعون» وغيره، لهو أمر صعب على النفس، خاصة وأن الله ـ تعالى ـ بين لهما أنه طغى، لأن الذي لا يستحي ممن خلقه ورزقه، وبيده محياه ومماته، فإنه من باب أولى لا يستحي من مخلوق مثله، فقد يبطش به، أو يسفّهه، أو يسجنه، أو يسلط عليه السفهاء، وإن هذه المواقف ما غابت عن «موسى وهارون» ـ عليهما السلام ـ فقد حكى الله عنهما ذلك فقال ـ تعالى ـ: {قَالا رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى} [طه: 45] .
لكن من كان الله ـ تعالى ـ معه فلا يخاف ظلماً ولا بخساً، ولقد وجه الله ـ تعالى ـ عبديه الصالحين بعدة توجيهات في مواجهة «فرعون» الطاغية، وأخبرهما أنه ـ سبحانه ـ معهما يسمع ويرى، ومن تلك التوجيهات الربانية:
1 ـ السرعة في تنفيذ حجج الله ـ تعالى ـ وبراهينه ومعجزاته. قال الله ـ تعالى ـ: {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [طه: 42] . وفسَّر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ذلك بقوله: لا تُبطئا. وبقوله: لا تضعفا. وأياً كان الشأن فالتوجيه لهما بالصمود أمام فرعون، والمبادرة في بيان دلائل الحق والإعجاز، وعدم الفتور في عرضها وبيانها. والواجب على كل من عرف شيئاً من معالم هذا الدين أن يبادر إلى تنفيذها وإرشاد الناس إليها، وألاَّ يصاب بالكسل، أو الخور والجبن في تبليغها مهما قُوبل في الطريق من الصعاب والعقبات، فهذه سُنَّة الأنبياء، بتوجيه لهم من الله ـ تعالى ـ.
2 ـ اللين في القول. لقوله ـ تعالى ـ: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] .
إن الرفق في جميع الأمور ما كان في شيء إلا زانه، كما أن الغلظة والشدة ما كانتا في شيء إلا شانتاه، وكما أن هذا التوجيه من الله لموسى وهارون ـ عليهما السلام ـ جاء أيضاً لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال ـ تعالى ـ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} .
[آل عمران: 159]
3 ـ وهذه سُنَّة شرعية لمن يحملون المنهج الرباني ويبلغونه عباد الله؛ لأن الهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتعريفهم بخالقهم، والخضوع والتذلل له.
4 ـ عدم الخوف في القيام بالرسالة الربانية. إن من طبيعة النفس البشرية أن يعتريها شيء من الخوف، وهو على درجات متفاوتة، والذين يحملون المنهج الرباني يدركون تبعاته وما يترتب على تبليغه ونشره، وموسى وهارون ـ عليهما السلام ـ وقع لهما شيء من الخوف من طاغية عصرهما «فرعون» أن يبطش بهما، ويعتدي عليهما لأول وهلة يلتقيان معه، لجهله من جانب، ولظلمه وطغيانه وجبروته من جانب آخر، والله ذكر ذلك في كتابه فقال ـ تعالى ـ: {قَالا رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 45 - 46] .
إن الله ـ تعالى ـ اختار من خلقه من يحمل رسالته، ويقوم بنشرها وتبليغها، وفي مقدمة هؤلاء الأنبياء والرسل ـ عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ وجاء في وصفهم في كتاب الله العزيز: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39] .
يقول ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «يمدح تبارك وتعالى {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ} أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها، {وَيَخْشَوْنَهُ} أي: يخافونه ولا يخافون أحداً سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله. {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} أي: وكفى بالله ناصراً ومعيناً.
وسيّد الناس في هذا المقام ـ وفي كل مقام ـ محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ـ صلوات الله عليه ـ فإنه بُعِث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .
ثم ورَّثَ مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه، بلَّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسِرِّه وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم» ا. هـ.