> إن التكاليف الربانية ليست بالشيء اليسير، إنها تكاليف عظيمة وكبيرة وثقيلة، تحتاج إلى رجال أقوياء في حملها، وفي تبليغها إلى الآخرين، وتحتاج إلى صبر ويقين، وتوكل على الله، وهمّة عالية، وموسى ـ عليه السلام ـ من أولئك الرجال العظماء، فقد صنعه الله ـ تعالى ـ على عينه، وغذاه ورباه ومحّصه حتى بلغ أشده، واستوى على سوقه، فكلّفه وأرسله، بعد أن أعطاه الله ـ تعالى ـ الحكم والعلم، فقام بما كلّف به خير قيام.
> لقد سبق في علم الله ـ تعالى ـ الأزلي أن فرعون لا يؤمن، ومع ذلك أمر عبديه ونبييه ـ موسى وهارون عليهما السلام ـ أن يذهبا إليه ويترفقا به في الحوار والنقاش لعله يتذكر أو يخشى، كل ذلك من أجل أن يرسما طريقاً في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ لمن يأتي بعدهما، من إلانة في القول، وترفق بالآخر، والصبر على المعاناة في الطريق من القريب والبعيد، والصديق والعدو، والأخذ بالأسباب، وعدم اليأس أو القنوط، فإن القلوب علمها عند الله ـ تعالى ـ يصرفها ويقلبها كيف يشاء.
> يجب على من يدعو الناس إلى دين الله ـ تعالى ـ أن يحرص على هدايتهم؛ وإن لم يهتدوا، وأن يبلغهم دين الله ـ تعالى ـ برفق ولين، كما مرّ في قصة موسى وهارون مع فرعون، وأن يلجأ إلى الله ـ تعالى ـ بالذكر والتسبيح والدعاء، وأن يطلب من الله ـ تعالى ـ التوفيق والسداد.
> إن التعاون بين أفراد البشر على تبليغ دين الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور لهو أمر مطلوب، سواء كان ذلك وفق نشاط منهجي، أو لا منهجي مادام أن النتيجة واحدة والغاية واحدة، وإن شدَّ الأزر في الطريق إلى الله ـ تعالى ـ وتوزع الأدوار، والتعاون على القيام بها، لهي من الأسباب التي تجعل العمل ناجحاً، وتجعل النفوس وثَّابةً إلى المعالي كلما حققت شيئاً من أهدافها وغاياتها.
وإن قصة موسى ـ عليه السلام ـ وطلبه من ربه ـ سبحانه ـ أن يشد أزره بأخيه هارون ـ عليه السلام ـ خير شاهد على ذلك.
> إن الله ـ تعالى ـ ليمهل للظالم ولا يهمله، ثم يأخذه بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، وهذا ما حصل لفرعون وغيره من الأمم الظالمة، وقد أخبرنا ربنا ـ سبحانه ـ بذلك في كتابه، ولا يظلم ربك أحداً.
فقال ـ تعالى ـ: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
[العنكبوت: 40]
> إن الحق قد ينتصر بجهد الضعفاء قبل جهد الأقوياء، فلا يحقرن الإنسان أيّ جهد يقوم به، فإن مؤمن آل فرعون، وأخت موسى، وأمه، وآسية، كانوا ضعفاء، ومع ذلك قاموا بأدوار عظام في نصرة الحق.
> إن الله ـ تعالى ـ وعد عباده الصالحين بالنصر والفوز المبين، والغلبة والتمكين، فقال ـ تعالى ـ: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] .
فلا يتعجل الصالحون طريقهم، أو تمل نفوسهم، ولا يستوحشوا من قلة الناصرين أو السالكين، فإن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بدؤوا طريقهم فرادى، فما وهنوا لما أصابهم، وما ضعفوا وما استكانوا، ولنا فيهم الاقتداء والاتساء، والله ـ تعالى ـ ولي الصالحين.