فهرس الكتاب

الصفحة 4216 من 9994

لقد لجأ موسى ـ عليه السلام ـ بجلال الله وعظمته فدعاه؛ فحماه الله ـ سبحانه ـ وهيأ له من الأسباب وطرق الخير الشيء الكثير.

> إن من طبيعة المرأة الخجل والحياء والضعف، وعدم القدرة على مزاحمة الرجال، وهذا يؤخذ من حال تلك المرأتين اللتين تذودان غنمهما عن ذلك المجتمع، فلا تُزاحمان القوم في السقي، وتنتظران صدورهم حتى تتمكنا من السقي بدون مزاحمة ولا مشادة. فالمرأة العاقلة تقدر وتحترم نفسها ومن وراءها، فكيف إذا كانت من بيت عز ومكانة؟ فإن مزاحمة المرأة للناس في منتدياتهم وفي قضاء حوائجهم ليس من طبيعتها، بل إذا حصل منها شيء من ذلك فإنَّه سلوك مشين، وخارج عن طبيعتها التي خلقها الله عليها.

> إن الإنسان مهما أعطي من قوة في جسمه، وفي عقله، وفي جميع جوارح، فهي من الله ـ تعالى ـ، فعليه أن يلجأ إلى من حباه تلك القوة فيعترف بالتقصير والفقر، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه. وهذا يؤخذ من موقف موسى ـ عليه السلام ـ بعد ما سقى للمرأتين. قال ـ تعالى ـ: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] ، مفوضاً أمره إلى الله، ومتوكلاً عليه، ومعترفاً بضعفه وفقره أمام ربه وخالقه.

> إنّ إعانة الضعيف ومساعدته في قضاء حاجته لهو خلق عظيم، حثّ عليه الدين الحنيف، وإن نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ بادر إلى فعل الخيرات، وساعد المحتاج، وأعان الضعيف على قضاء حاجته.

وهكذا يجب على الذين يقتدون برسل الله الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وينتهجون نهجهم، ويسيرون على طريقهم غير عابئين بالعوائق والعقبات التي يلاقونها في طريقهم إلى الله ـ تعالى ـ.

> إن القوة والأمانة قلّمَا تتوفر في شخص، وقد وُصف بهما موسى ـ عليه السلام ـ في قوله ـ تعالى ـ على لسان إحدى الفتاتين: {قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26] .

> إن المرأة لها أن تبدي رأيها، وتسعى في تحقيقه، وهذا يؤخذ من موقف ابنة ذلك الشيخ الكبير التي قصَّت على أبيها خبر موسى، فأمرها أبوها أن تدعوه، فذهبت إليه، في خطى حثيثة، وأدب جم، وستر كامل، ولسان طلق، وعزيمة قوية، لتبلغه دعوة أبيها، ولما وصلت إليه أبلغته الدعوة في أدب رفيع، ومنطق سليم، وأخبرته: أن والدها يريد أن يجازيك ويحسن إليك مقابل ما قدمت لنا من الخدمة في السقي. قال ـ تعالى ـ: {فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25] .

> إن من مواقف الرجال الكبار وحُسنِ أخلاقهم كرمُ الضيافة، وحسن الاستقبال، وحماية الضيف، واحترام الجار، ونصرة الضعيف والمظلوم، والوقوف ضد الباطل وأهله، وهذا يؤخذ من موقف ذلك الشيخ الكبير عندما عرض عليه موسى ـ عليه السلام ـ أمره وحاله، فقال مسرياً عن موسى، ومطمئناً وناصراً له، قال: {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25] .

> إنّ النفس الأبيّة لاترضى أن تعيش على فتات العيش وموائد الآخرين، بل لابد أن تبحث عن وسيلة تكدح من خلالها، وتشعر بالعزة والاستعلاء بعيداً عن المسألة والاستجداء، وهذا ما وقع لموسى ـ عليه السلام ـ حيث عاش مع الشيخ الكبير عيشة عمل وكدح يرعى له الغنم مقابل تزويجه إحدى ابنتيه، واتفقا على مدة العقد اللازم والكامل برضىً واختيار.

> إن الوفاء بالعقود والالتزام بها من الإسلام، ولا يجوز الإخلال بها، أو نقضها، والله ـ تعالى ـ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ...} [المائدة: 1] الآية؛ ونبي الله موسى ـ عليه السلام ـ وفّىّ بما التزم به مع ذلك الشيخ الصالح، وأدى أكمل الأجلين.

> إن من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه حنين الإنسان إلى وطنه، فعلى كل مغترب أن يفكر في العودة إلى أهله وبلاده؛ لكي يقوم بما يستطيع عليه من الإصلاح، بين أهله وذويه، اقتداء بنبي الله موسى ـ عليه السلام ـ فإنه لما قضى أكمل الأجلين وأتمهما ودَّع مضيفه هو وأهله ليعود إلى أهله وبلاده التي غادرها منذ زمن بعيد.

> إن الابتلاءات التي قد تحصل للإنسان في الطريق قد تكون هي سبيل التمكين في الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت