فهرس الكتاب

الصفحة 4215 من 9994

ووصفه الله بالطغيان وكثرة الفساد في الأرض، قال ـ تعالى ـ: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 10 - 14] .

وقال ـ تعالى ـ: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .

> إنّ من أعظم فساد فرعون ادعاؤه الربوبية والألوهية، ثم ذبحه لأبناء بني إسرائيل خوفاً على ملكه ونفسه منهم. ولو استسلم لله ـ تعالى ـ واستجاب؛ لسَعِدَ في الدارين، ولكن لله ـ تعالى ـ الحكمة البالغة.

> إن المخاوف البحرية أيّاً كانت؛ سواء كانت أمواجاً أو غرقاً، أو حيوانات من حيوانات البحر، أوظلمات، أو غير ذلك ممَّا يتصوره الإنسان على مثل ذلك الرضيع الصغير الضعيف أو غيره، ترجع أمناً وطمأنينة وهدوءاً وسكينة بتدبير الله ـ تعالى ـ لها، فهو الخالق المصرّف الذي بيده ملكوت كل شئ، إذا أراد شيئاً قال له: كن. فيكون.

> إن بيوت الجبابرة قد يوجد فيها الاختراق، إمّا من داخلها أومن خارجها، وإذا قوي التوكل على الله لدى الإنسان قويت عزيمته، وإذا أخذ بالأسباب الشرعية في الوصول إلى الأهداف فإن الله ـ تعالى ـ يُسَهل له الطريق ويلين له القلوب ويجعل الله له مع العسر يسراً، انظر إلى ما هيأه الله لهذا الرضيع وهو في المهد! لا يعرف توكلاً، وليس له عزيمة ولا قدرة، ولا يعرف وسيلة ولا هدفاً ولا غايةً، وهو في قبضة من يريد ذبحه والتخلص منه، وليس لديه أيّ تردد في ذلك وهو داخل داره وبين جنوده وغلمانه، ومع ذلك هيّأ الله له من يعطف عليه ويدافع عنه، ويجادل فرعون في أمره وهو لا يشعر بذلك، فأصبح عدواً وحزناً لفرعون في داخل داره، ومع ذلك صرف الله عنه بطش فرعون وظلمه وطغيانه، ومع إصرار زوجة فرعون ودفاعها عن الاعتداء على ذلك الطفل استجاب فرعون لها، مع تخوفه منه وكرهه لذلك، واستنفرت خدمها للعناية بموسى ـ عليه السلام ـ فكلّفتهم البحث عن المرضعات؛ لكي يقمن بإرضاعه وإطعامه، فحضرن وحاولن أن يرضعنه، لكنه امتنع عن ذلك، فلم يلقم ثدياً على الإطلاق؛ لأن الله ـ تعالى ـ حرّم ذلك عليه لحكمة يريدها سبحانه.

> إن من يرتكب خطيئةً ـ مهما كانت ـ فإنه يصبح ضعيف الموقف، خائف النفس، وهذا يؤخذ من موقف موسى ـ عليه السلام ـ لما اقترف تلك الخطيئة ـ وهي قتل القبطي ـ فأصبح خائفاً من أن ينكشف أمره لأولئك القوم الذين يتربصون به وهو في المهد، فكم حاولوا قتله، والتخلص منه، فكيف وقد وقع منه ما يسئ إليهم؟ فعلى العاقل أن يصون نفسه من الوقوع في الزلات، حتى يكون عزيز الجانب، مطمئن النفس وإن ظُلِم؛ كما حصل لنبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ.

> إن الله ـ سبحانه ـ إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، وإن الله ـ سبحانه ـ قادر على إيجاد ذلك الشيء من دون أسباب، ولقد سبق في علم الله ـ تعالى ـ الأزلي أن عبده موسى ـ عليه السلام ـ سيكون من المرسلين. كما سبق في علمه ـ تعالى ـ أنه سيقع في أيدي أعدائه وهو طفل رضيع ليكون لهم عدواً وحزناً. فهيأ الله ـ تعالى ـ لعبده الضعيف من يحفظه ويكفله، ويرعاه من داخل بيوت أعدائه، وهم لايشعرون ماذا تكون العاقبة.

> إن الإنسان مهما ارتكب من الذنوب والخطايا فإن أبواب الله مفتوحة بالليل والنهار، فلا يقنط الإنسان ولاييأس من عفو الله ورحمته ومغفرته، وإن أعظم ذنب عُصيَ الله به هو الشرك.

فعلى كل من وقع في خطيئة سواء كانت كبيرة أو صغيرة أن يتوب إلى الله ـ تعالى ـ، ويستغفره، ويتوب إليه، ويندم على ذلك، ويخلص في توجهه إلى الله ولا يعود إلى ذلك.

> ليعلم ورثة الأنبياء أن الطريق الصحيح هو طريق الأنبياء؛ فليصبروا، وليحتسبوا على ما يلاقون في طريقهم، وليدعوا ربهم أن يهديهم السبيل المستقيم وأن ينجيهم من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين، ومكر الماكرين، أسوة بالأنبياء في ذلك، ولا يستعجلوا الطريق، فإن النصر بيد الله ـ تعالى ـ: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] .

> إن الرجل المصلح في هذه الحياة قد يجد معاناة في داخل النفس، ومعاناة في الطريق، ومعاناة من قلة الزاد وأنيس الطريق، ومعاناة ممَّن سيلقاهم أمامه، كيف يأوي إليهم، وكيف يقص خبره عليهم، وكيف يستقبلونه؟

لكن الرجل المؤمن بالله، والواثق بنصره، والمتوكل عليه حق التوكل، يلجأ إليه ويعتصم به ويتضرع إليه، فهو الخالق الرازق، وهو المحيي والمميت، وهو النافع وبيده مقاليد الأمور، لا رادَّ لما قضى، ولا مانع لما أعطى، ولا مذل لمن أعز ، ولا معز لمن أذل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت