فهرس الكتاب

الصفحة 4219 من 9994

عباد الله، في الأيام المنصرمة كثر الكلام والتنبؤات التي طغت على الإعلام العالمي بأجمع، ولم يكن الإعلام الإسلامي ظاهراً، ولكنه كان غائباً حقيقةً ومنهجاً، فكان تبعاً للإعلام الغربي يردد ما يقول حرفياً دون أن تظهر السمة الإسلامية في التحليل والمتابعة ـ إلاّ من رحم الله وقليل ما هم ـ، لقد تحولت ظاهرة الكسوف في ظل هذا الإعلام إلى احتفالات وموسم للسياحة الداخلية والخارجية، وتحول الخوف والفزع والتذكر والاتعاظ الذي ينبغي أن يصاحب مثل هذه الآية العظيمة إلى شيء آخر، أنسانا مثل هذه المفاهيم، ولعل جولة في الصحافة الداخلية والخارجية تعطي الإنسان دليلاً واضحاً على ما نقول، وأصبح الخوف والفزع الذي يجب أن يعصر القلوب، تحول إلى خوف على العيون أن لا يصيبها داء الكسوف، ولست أقلل هنا من الآثار التي قد تنجم من النظر إلى الشمس وهي في كسوفها، ولكن أشير إلى أن الأمر تحول عن الخوف الأساسي إلى خوف سمه (فرعياً) وليت الذين كتبوا عن النظر إلى الكسوف كتبوا بنفس القدر عن الحكمة الأساسية من وراء الكسوف والخسوف، وهي أنهما آيتان يخوف الله بهما عباده.

نشرت جريدة الحياة في أحد أعدادها مقالاً لكاتب سخيف وهو يعلق على ظاهرة الكسوف فيقول: إذا خرجت ورأيت الكسوف وأصابك الفزع والخوف فخذ نفساً ـ هكذا فخذ نفساً ـ كتم الله نفسه، أين هدي النبي صلى الله عليه وسلم حال الكسوف؟ ولماذا تشوه عقائد الناس إلى هذه الصورة الممجوجة؟ وسمعنا بأنه قد تم بيع نظارات على البُله من الناس لحماية أعينهم من الكسوف وصلت إلى ألف ريال.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لماّ كسفت الشمس على عهده خرج فزعاً يجر رداءه مستعجلاً يخشى أن تكون الساعة، جاء في رواية مسلم أنه من فزعه صلى الله عليه وسلم أخطأ فخرج بدرع بعض نسائه لظنه رداءه حتى أدركوه بالرداء، قال ابن حجر: يعني أنه أراد لبس ردائه فلبس الدرع من شغل خاطره بذلك، وكان يوماً شديد الحر حتى أتى المسجد ونودي بالصلاة جامعة، فصلى بهم صلاة طويلة، وسُمع وهو في سجوده يقول: (( رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ) )، ثم خطب الناس ووعظهم موعظة بليغة، وبيّن أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا للصلاة، فافزعوا إلى المساجد، فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره، وفي رواية: (( فادعوا وتصدقوا وصلوا ) )، ثم قال: (( يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لا قوة من أمر دنياكم وآخرتكم، ما من شيء لم أكن رأيته إلا رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار.

رأيت النار يحطم بعضها بعضاً، فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع منه، ورأيت فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه، ورأيت فيها امرأة تعذب في هرة لها، ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ولقد رأيتكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال، يؤتى أحدكم فيقال:ما علمك بهذا الرجل، فأما المؤمن فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وآمنا واتبعنا، فيقال: نم صالحاً، وأما المنافق فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ثم ذكر الدجال وقال: لن تروا ذلك حتى تروا أموراً يتفاقم شأنها في أنفسكم، وحتى تزول جبال عن مراتبها، ثم قال: ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي فأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل )) إلى آخر تلك الخطبة العظيمة البليغة الجامعة. فأين نحن من ذلك كله، وقد أحلنا ظاهرة الكسوف إلى احتفال كرنفالي عجيب؟!

فيا أيها المسلمون، هل تظنون أن فزع النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه إلى المسجد ثم الصلاة ثم بعدها تلك الخطبة وما حصل له فيها من أحوال هل كل ذلك يكون لأمر عادي، لا والله. إنه لا يكون إلا لأمر عظيم مخيف. فعلينا في مثل هذه الأحوال، أن نفزع كما فزع نبينا صلى الله عليه وسلم وأن نلجأ إلى مساجد الله للصلاة والدعاء والاستغفار وأن نتصدق لندفع عن أنفسنا البلاء وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعتاق في كسوف الشمس لأن عتق الرقبة فكاك للمعتق من النار، فأسباب البلاء والانتقام بسبب فعل العباد، عند حدوث الكسوف أو الخسوف قد انعقدت، والفزع إلى الصلاة والصدقة، يدفع تلك الأسباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت