فإلى متى أيها الأحبة نسلم عقولنا وعقائدنا ومسلماتنا للإعلام، قد تجد عذراً لبعض الناس عندما يضحك عليهم الإعلام في قضايا سياسية أو تحليلات واقعية أو يعطي بعض المعلومات الخاطئة أو الإحصائيات المزيفة، لكن أن يصل إلى درجة العبث بمسلمات ثابتة من الدين ثم ينطلي هذا على الناس، هذا هو الذي يدمي القلب، فكفانا غفلة أيها الأحبة عن سنن الله في كونه وما يحدث فيها من تقلبات، وإن لم نكن على وعي تام ومعرفة بأساليب العلمانيين وكتاباتهم فنخشى أن تغير مسلماتنا ونحن لا نشعر. روى البخاري ومسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف في وجهه، فقالت عائشة رضي الله عنهما: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا غيماً فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال: (( يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا ) ).
أيها المسلمون، والشيء بالشيء يذكر، فمن المسلّمات التي يسعى لتغييرها وتهوين شأنها عند الناس زيارة ديار المعذبين. الذي أمر به الشرع أن يهتز قلب المسلم تأثراً وأن تسيل دموعه تذكراً، وهو يمر بديار المعذبين، ذلك أنه يستشعر الرهبة وهو يمر على الديار التي طغت وتجبرت وعاندت واستكبرت حتى استحقت أن ينزل عليها غضب الرب تبارك وتعالى، ينبغي أن يتأثر وهو يمر بمواقع الخسف والعذاب وقبور المشركين، روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تدخلوا على هؤلاء المُعذبين إلاّ أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يُصيبكم ما أصابهم ) )وفي البخاري، أن النبي عليه الصلاة والسلام لمّا مر بالحجر قال: (( لا تدخلوا مساكن القوم الذين ظلموا أنفسهم، إلاّ أن تكونوا باكين: أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنّع بردائه وهو على الرحل ) )وفي رواية: (( ثم قنّع رأسه و أسرع السير، حتى أجاز الوادي ) )وفي رواية: (( ثم زجر فأسرع حتى خلفها ) ).
والمقصود بالحجر هنا هي مدائن صالح، قال ابن حجر:"إن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء، مما وقع فيه أولئك من الكفر، مع تمكين الله لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك". وقال:"فمن مر عليهم، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودل على قسوة قلبه، وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم"انتهى.
ومع الأسف أمام هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد أن البعض لازال يدعو إلى فتح أبواب السياحة إلى مثل هذه المناطق وتحويلها إلى مزارات ومناطق احتفالات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أسأل الله تعالى أن يبصرنا بديننا، وأن يوقظنا من غفلتنا..
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه واتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
أقول هذه القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد: الوقفة الثانية: مع زلزال تركيا:
فقد سمعتم بل وربما شاهدتم عبر وسائل الإعلام بعض آثار الزلزال الذي ضرب تركيا، فأهلك عشرات الآلاف من البشر، فاللهم لا شماتة.
أيها المسلمون، إن هذه الأرض التي نعيش عليها من نعم الله الكبرى، فإن الله سبحانه وتعالى قد مكننا من هذه الأرض، نعيش على ظهرها وندفن موتانا في باطنها، قال الله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاء وَأَمْواتاً [المراسلات:25، 26] ، وقال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] ، وقال تعالى: فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:25] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِى الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ [الأعراف:10] ، وقال تعالى: هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15] ، والآيات في هذا كثيرة.
ومن رحمته أنه جعلها ثابتة مستقرة لا تتحرك وأرساها بالجبال حتى نتمكن من البناء عليها والعيش على ظهرها، وفي بعض الأحيان يجعل الله عز وجل هذه الأرض جنداً من جنوده، فتتحرك وتميد وتحصل الزلازل المدمرة تخويفاً للعباد وتأديباً للبعض الآخر وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:31] .
فهذه الزلازل لا شك عندنا نحن المسلمين أنها عقوبات ربانية من الله على ما يرتكبه العباد من الكفر والفسوق والعصيان، كما قال بعض السلف لما زلزلت الأرض: إن ربكم يستعتبكم.