فهرس الكتاب

الصفحة 4221 من 9994

ولما وقع زلزال بالمدينة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام فيهم خطيباً ووعظهم وقال: لئن عادت لا أساكنكم فيها. لعلم عمر بأن ما حصل ما هو إلا بسبب ذنوب الناس، وأن هذا تهديد وعقوبة من الله عز وجل. وما يقوله بعض المتحذلقين من الجغرافيين والعلمانيين بأن هذه الزلازل ظواهر طبيعية لها أسباب معروفة، لا علاقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم، حتى صار الناس لا يخافون عند حدوثها ولا يعتبرون بها، فيستمرون في غيهم وبغيهم ولا يتوبون من كفرهم ومعاصيهم كلام باطل.

إن الكتاب والسنة يدلان على أن هذه الزلازل كغيرها من الكوارث إنما تصيب العباد بسبب ذنوبهم وكونها تقع لأسباب معروفة لا يخرجها عن كونها مقدرة من الله سبحانه على العباد لذنوبهم قال الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16] . عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ ) )فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَاكَ؟ قَال: (( إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ ) ). وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (( يَكُونُ فِي آخِرِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ ) )قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: (( نَعَمْ إِذَا ظَهَرَ الْخُبْثُ ) ). وهل يشك عاقل بظهور الخبث وفشوه وانتشاره.

إن بلاداً من بلاد الله الواسعة، كانت قائمة شاخصة، فظلم سكانها أنفسهم، فحل بهم أمر الله وسنته وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ [القصص:58] .

لقد عمّ قوم نوح الغرق، وأهلكت عاداً الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقلبت على اللوطية ديارهم، فجعل الله عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل، فساء مطر المنذرين فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40] ، إنها الحقيقة الصارخة: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ تلكم الذنوب، وتلكم عواقبها وما هي من الظالمين من أمثالنا ببعيد. ما ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها، ولا فشت في أمة إلا أذلتها، ولا تخلخلت في دولة إلا أسقطتها. إنه ليس بين أحد وبين الله نسب، ولا يعني أن أقواماً أو مجتمعات لم يصبها شيء أنها على الاستقامة كلا، ولكن الله يمهل حتى يعتبر الناس ولا يهمل، والعقوبات الربانية تختلف فقد يكون زلزالاً وقد يكون حروباً وقد يكون تدهوراً في الإقتصاد وسوء للأوضاع المالية، وقد يكون، وقد يكون.

إن تركيا في يوم من الأيام كانت هي حاملة لواء الإسلام، وكانت تمثل الدولة الإسلامية وقد أرعبت العالم كله في وقتها عندما كانت قائمة بأمر الدين حاملة لواء الجهاد في سبيل الله، حينها كسرت أنف دول أوربا بجهادها وفتوحاتها. كان ذلك عندما كان لها تميزها بدينها وتحكيمها لشريعة ربها. واليوم لا تكاد تفرق بينها وبين أية دولة أوربية، بل إنها لتحاول الإنفصال ولو اسمياً عن كونها دولة إسلامية وتعتبر نفسها أحد دول أوربا. فاللهم لا شماتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت