وهؤلاء عاد لما تكبروا وطغوا وتجبروا، وقالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:15] رد الله عليهم بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِئَايَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحياةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ [فصلت:15، 16] . ولما عاينوا السحب في السماء، قالوا: هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا [الأحقاف:24] ، رد الله عليهم بقوله: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف:24، 25] .
وهؤلاء ثمود لما طغوا وتكبروا على نبي الله صالح، وقالوا له: يَاصَالحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:77] ، عاقبهم الله تعالى بقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [الأعراف:78] ، أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت أحد منهم لا صغير ولا كبير، لا ذكر ولا أنثى.
وهذا قارون لما تكبر وطغى، وقال مقولته النكراء إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78] ، رد الله سبحانه عليه: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ [القصص:81] . وقال رسول الله: (( إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته ) )ثم قرأ رسول الله: وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] ، متفق عليه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لو بغى جبل على جبل، لجعل الله الباغي دكًّا) رواه البخاري في الأدب المفرد.
فجانب الظلم لا تسلك مسالكه عواقب الظلم تُخشى وهي تَنتظر
وكل نفس ستجزى بالذي عملت وليس للخلق من دنياهم وطر
والقصص الواقعية والعبر التاريخية طافحة بمثل هذا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"وأمور الناس تستقيم مع العدل، الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي: (( ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم ) )فالباغي يصرع في الدنيا، وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة...".
اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.
نفعني الله وإياكم... ... ...
الخطبة الثانية ... ...
أما بعد: أيها المسلمون، وإنه لمن الأمر المرير والجرم الكبير، ما تقوم به السياسة الأمريكية الغاشمة، والتي أسست على الإرهاب والعنف والتطرف، من أعمالها في العراق هذه الأيام، والتي أهلكوا فيها الحرث والنسل، وأبادوا الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، بل وحتى الحيوان البهيم، بل وحتى اليابس والأخضر.
أيها المسلمون، إن الدفاع عن القضية العراقية من واجبات الدين والعقيدة، ومن مستلزمات الأخوة الإيمانية وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:71] ، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] . وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي قال: (( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ) )وقال: (( انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) )رواه البخاري.
والنصرة تتمثل بكل شيء يتقوون به على رأس الكفر العالمي، من المال والنفس والدعاء لهم، والقنوت في الصلوات الخمس، ومن علم أنه قد حلت بالمسلمين نازلة، من الجوع والعري والقتل والتشريد، ولم ينصرهم، وهو قادر على ذلك، فقد أتى ذنبًا عظيمًا. وما من شك أن التخاذل في هذه المواقف، يجر على المسلمين الذلة والصغار والخزي والعار.
يا أمةً طالما ذلّت لقاتلها حتى متى تخفضين الرأسَ للذنب
ألا ترين دماء الطهر قد سُفكت في كل ناحيةٍ صَوْتٌ لمنتحبِ
حتى متى تَقبلين الضيمَ خاشعةً لكل باغٍ ومأفونٍ ومغتصبِ