وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضاً لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله ، المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه ؛ لأن فساد الكفر دليل دليل على صلاح الإسلام ، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء ، لكن لا بد من شرطِ أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه ، فإن لم يتحقق مراده بأن مُنع من نشر ما هم عليه والتحذير منه ، فلا فائدة من إقامته ، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم ، مثل: أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام ، وجب الكفّ
لقوله تعالى: { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
ويشبه هذا: أن يقيم في بلاد الكفار ليكون عيناً للمسلمين ليعرف ما يدبروه للمسلمين من المكايد ، فيحذرهم المسلمون ، كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم .
القسم الثالث:
أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة ، وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر - كموظفي السفارات - فحكمها حكم من أقام من أجله .
فالملحق الثقافي مثلا يقيم فيرعى شئون الطلبة ، ويراقبهم ويحملهم على التزام الإسلام وأخلاقه وآدابه ، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة يندرءُ بها شر كبير .
القسم الرابع:
أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج ، فتباح الإقامة بقدر الحاجة ، وقد نص أهل العلم رحمهم الله على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة وأثروا ذلك عن بعض الصحابة .
القسم الخامس:
أن يقيم للدراسة ، وهي من جنس ما قبلها - إقامة لحاجة - لكنها أخطر منها وأشد فتكاً بدين المقيم وأخلاقه ..
القسم السادس:
أن يقيم للسكن ، وهذا أخطر مما قبله وأعظم ؛ لما يترتب عليه من المفاسد: بالاختلاط التام بأهل الكفر ، وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية ، من مودة ، وموالاة ، وتكثير لسواد الكفار ، ويتربى أهلُه بين الكفر ، فيأخذون من أخلاقهم وعاداتهم ، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( من جامع المشرك ، وسكن معه ، فإنه مثله ) ) ( 6 ) فإن المساكنة تدعوا إلى المشاركة ( 7 ) .
وعن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) )قالوا: يا رسول الله ، ولم ؟! قال: (( لا تراءى نارهما ) )رواه أبو داود والترمذي ، وأكثر الرواة رووه مرسلاً عن قيس بن أبي حازم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي: سمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل . ا.هـ .
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار !! تُعلن فيها شعائر الكفر ، ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله ، وهو يشاهد ذلك بعينيه ويسمعه بأذنيه ، ويرضى به !! بل ينتسب إلى تلك البلاد ، ويسكن فيها بأهله وأولاده ، ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين ، مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده ، في دينهم وأخلاقهم . ا.هـ .
الوصية الثالثة:
أهم ما ينبغي على المسلم أن يعتني به هو دينه ، فما قيمة المال والمسكن والوظيفة والمستشفى والعيش الرغيد في غير طاعة الملك المالك جل جلاله !!..
احرص على إقامة الشعائر أينما كنت .. ومن خصائص هذا الدين أنه دين ظاهر .. أينما أدركتك الصلاة فصلّ .. في السوق .. في المدرسة .. في العمل .. في المصنع .. ولا تخجل من ذلك { قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى } ..
قال الشيخ:
كنت في السويد فذهبت مع اثنين من الأخوة المقيمين المغتربين لزيارة متحف للكتب القديمة وبعض الآثار .. وبعدما دفعنا رسوم الدخول وأمضينا دقائق .. أدركنا وقت صلاة العصر ..
فقال أحدهما: يا شيخ هيا نخرج لنصلي ثم نعود ..
فسألته مستغرباً: لماذا لا نصلي هنا ؟!!
فقال: هاه !! نصلي أمامهم ؟!1 لا .. لا .. هذا صعب جداً .. جداً ..
قلت: لماذا صعب جداً .. جداً .. ؟!!
فقال: يا شيخ .. نصلي أمام السويديين ؟!!
قلت: نعم نصلي أمام السويديين .. ولماذا لا نصلي أمامهم ؟! ألست تراهم يقبل بعضهم بعضاً أمامنا .. ولا يستحون !! ويضم بعضهم بعضاً .. ولا يخجلون .. ويشربون الخمر في الشوارع .. ويكشفون عوراتهم .. ويرتكبون الأفعال المخلة بالحياء .. ويعتبرون ذلك حرية .. ونحن أحياناً ننظر إليهم ونحن معجبون بهذه الحرية !!
فلماذا لا نصلي أمامهم ونعتبرها حرية ؟!!
فوافق صاحبي على مضض ..
فأخذنا جانباً من هذا المتحف واتجهت إلى القبلة ووضعت أصبعي في أذني ..
فصاح بي صاحبي: يا شيخ !! ماذا تريد أن تفعل ؟!
فأجبته بهدوووء: سوف أؤذن ..
فقال - باضطراب شديد -: يا شيخ تؤذن هنا ؟!