فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
خامسًا: زمان الخاطرة: هو الزمن المناسب الذي يراه المتكلم أو الواعظ أو الخطيب، وهو في المسجد غالبًا بعد الصلوات، وأنسب الصلوات التي تكون بعدها الخاطرة، هي العشاء، ثم العصر ثم الظهر، ثم المغرب، ثم الفجر، ولا تكون الخاطرة بعد الجمعة إلا للتنبيه على مسألة قد تفوت إذا لم تذكر. وقد يكون في بعض البلدان بين التروايح خاطرة، وقد تصبح درسًا إذا طالت. ولا يناسب أن تكون الخاطرة بعد الفجر، وبخاصة في البلاد التي تَعوَّد أهلُها على السهر، مثلما يقع في رمضان في دول الخليج، واليمن أن الناس يسهرون الليل كله أو معظمه فيأتون في صلاة الفجر مرهقين غير متحملين لأي إطالة في الصلاة فضلًا عن خاطرة بعد الصلاة. وبعد المغرب يمكن أن يناسب الخاطرة، ولكن هو أنسب لإلقاء الدروس والمحاضرات، ومعظم الدروس والمحاضرات تكون - غالبًا- بين المغرب والعشاء!
سادسًا: مدة الخاطرة: تترواح الخاطرة ما بين (5) دقائق إلى (10) دقائق والغاية القصوى - في نظري- من (15) إلى (20) دقيقة، أما إذا زادت على ذلك فقد أصبحت درسًا أو خطبة فينبغي في هذه الحالة مراعاة قواعد الدروس والخطب وعدم التعامل معها على أنها خاطرة.
* استثناء: يمكن لبعض الشخصيات التي لها شعبية، وقبول واسع أن ترى أن الجمهور يطلب منها الإطالة، ففي هذه الحالة ينبغي أن تستغل الفرصة، ولكن ينبغي للمتكلم أن يراعي أن الخاطرة ستتحول إلى درس أو خطبة فيراعى فيها سمات الدرس أو الخطبة.
سابعًا: سمات وخصائص الخاطرة:إن الداعية طبيب القلوب، وكما يسهّل طبيبُ الأبدان الدواءَ للمريض ويُسيغه له، فعلى الداعية أن يسوق موعظته في أسلوب طيب جميل، بعيد عن السباب والشتم، وقسوة العبارة، حتى لا ينفر منه المدعوون. وهذا الأمر واضح في سير الأنبياء، ومَن يُقتدى بهم من الدعاة الناجحين؛ من أجل هذا ينبغي أن يُراعى في الخاطرة السمات والصفات الآتية:
1.عدم الإطالة في المقدمة.
2.التركيز في مسألة أو قضية محددة أو جزء من مسألة أو قضية.
3.عدم الاستطراد أو الخروج من النقطة إلى غيرها، بل الالتزام بالنقطة أو المسألة دون الدخول إلى أخواتها أو نظائرها أو أشباهها.
4.عدم ذكر المصادر أو الأجزاء والصفحات من الكتب أو الأسانيد أو كثرة النقول أو غير ذلك، فيكفي أن تقول قال الله تعالى في سورة كذا، ولا تحتاج إلى ذكر رقم الآية، ويمكن أن تكتفي بقولنا قال الله تعالى دون ذكر السورة لشهرتها أو لسهولة السؤال أو الوصول إلى مكانها، وكذلك في الحديث يكفي أن تقول وفي البخاري كذا.. أو روى مسلم أو في مسلم، أو يكفي أن تقول: وفي الصحيح.. كذا! أو: وفي الحديث الصحيح.. إلخ. فالاختصار والإيجاز أوضح سمات (الخاطرة) وهذا كله من لوازمه، فلا يناسب أن يكون ما يتعلق بالفكرة مختصرًا موجزًا، ثم تطيل بذكر أجزاء الكتب وأرقام الصفحات، وأذكر أن أحدهم قام ليقول خاطرة، وكان إذا ذكر حديثًا في مسلم أو البخاري ساق إسناده كاملًا، وهذا لا شك فيه إطالة، ونحن لا نقلل من شأن ذكر الأسانيد وإشاعتها بين الناس ولكن لكل مقام مقال.
5.عدم إيراد الخلافات في المسألة، وإنما يتم التركيز على الأمر المتفق عليه، أو الإتيان بعبارات تحتمل أوجه الخلاف ولا تفيد جزمًا برأي منها، وإنما توصل المعلومة المطلوبة التي يغلب عليها الترغيب والترهيب والتعميم.
6.قصر المدة الزمنية، وقد تكلمنا أنها تترواح بين (5) دقائق إلى (10) دقائق.
7.موضوع الخاطرة في الغالب ينبغي أن يكون في الرقائق والترغيب والترهيب والموعظة وهذا كله ضرورة لازمة، ففي النفس دوافع فطرية، تحتاج دائمًا للتوجيه والتهذيب، ورب موعظة لطيفة خفيفة مؤثرة، ترد السامع إلى صوابه، وتعيده إلى مكارم الأخلاق، ويختار الداعية ما يناسب المقام من توجيه، ويكون نصب عينيه قوله تعالى: (( وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا ) )وقوله تعالى: (( إن الله نعما يعظكم به ) )وقوله: (( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ) )وقوله: (( وهدى وموعظة للمتقين ) ). فليست الخاطرة مناسبة لمعالجة المسائل الفقهية، حتى إنْ تناول المتكلم مسألة فقهية في الخاطرة فليتناولها من ناحية الترغيب والترهيب، فمثلًا: يمكن أن أتكلم في (خاطرة) عن (الأضحية) وهي مسألة فقهية، ولكن عندما أتكلم عنها في الخاطرة سأتكلم من جهة الترغيب فيها، وأنها يمكن أن تكون داخلة في قوله: (فصل لربك وانحر) وأنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يضحي أن لا يقص من أظافره أو شعره إذا دخل عليه شهر ذي الحجة للحديث المتفق عليه الوارد في ذلك.. إلخ.
8.عدم فتح الباب للمداخلات أو الأسئلة والمناقشات في الخاطرة فوقت وطبيعة الخاطرة (لا تتحمل ذلك) ، فإذا قاطع إنسان أو أراد أن يسأل أو يشارك بمداخله، فينبغي للمتكلم ألا يسمح بهذا، بل يؤجله إلى الانتهاء من الكلام، ثم إذا انتهى من ( الخاطرة) حادثه أو أجاب على سؤاله أو مداخلته. فيما بينه وبين السائل في الغالب!
9.ينبغي للمتكلم في ( الخاطرة) ألا يتكلم بالمتشابه من الكلام، بل ينبغي أن يكون كلامه منضبطًا بعيدًا عن الاحتمالات الباطلة؛ لأن المتكلم في الخاطرة غالبًا يخاطب عوام الناس، فليكن نصب عينية دائمًا: (ليس كل حديث صحيح تحدث به العامة) وأيضًا نقول: (ليس كل كلام صحيح تحدث به العامة) .
10.ينبغي للمتكلم في الخاطرة أن يتصيد المناسبات للتوجيه التربوي والترغيب والترهيب والتعليق على حدث ما، وقد أرشدتنا إلى ذلك السيرة النبوية المطهرة، فعن عبد الله بن مسعود أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا) . رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ولقد انتهز يوسف عليه السلام فرصة سؤال صديقيه في السجن عن تعبير الرؤيا، فدعاهم إلى الإله الواحد (( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ). وحدث أن كُسفت الشمس عندما مات ابن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقال الناس: كُسفت الشمس لموت إبراهيم، فقام صلى الله عليه وسلم في الحال وانتهزها فرصة ليصحح أفهام الناس في التوحيد، فقال:"إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم". إن هذا الطريق وهو استغلال ضرورات المجتمع، فرصة للدعوة إلى الله عن طريق الكلمة السريعة (الخاطرة) وهذا يحتاج من الدعاة إلى التفاني في الدعوة، وقوة إيمان وذكاء، يعرف كيف يستغل ذلك الحدث أو الفرصة للدعوة إلى الله.
11.ينبغي ألا تكون الخاطرة معروضة بصورة أكاديمية نصية، فبعض الناس يحشد في الخاطرة الآيات والأحاديث، في حين أنه يمكن أن يكتفي في الخاطرة بآية أو حديث فقط، أو أن يجمع بينهما، ففي الخاطرة ينبغي أن تتوجه للناس بتوضيح الآيات والأحاديث فالناس يسمعون الآيات في المذياع، والمسجل، ولكن يحتاجون إلى من يفهمهم ويستخرج لهم الفوائد والنكت من الآية أو الحديث.
12.الخاطرة من طبيعتها أن لا يكون معلنًا عنها؛ لأنها في الغالب ترد في ذهن أو خاطر المتكلم فجأة نتيجة شيء رآه في الطريق أو في المسجد أو بدت له فكرة، وقلما يسبقها تحضير، وإنما يُعلن عن الدرس؛ لأنه يحتاج إلى استعداد للمكث مدة على الأقل من نصف ساعة إلى ساعة، أما الخاطرة فإن من لم يكن مستعدًا يمكن أن يبقى ويستمع لها حتى ولو كان مشغولًا لقصر زمنها...!