فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
1.إطالة المقدمة: المقدمة تتناسب مع ما تقدم له، فمقدمة الكتاب الكبير غير مقدمة الكتاب الصغير، ومقدمة الكتاب غير مقدمة الرسالة، ومقدمة الدرس غير مقدمة الكلمة السريعة (الخاطرة) ، فيمكن أن نقول على سبيل التقريب أن المقدمة تكون عشر ما تقدم له، فإذا كانت نصفه أو ربعه فقد تجاوزت حدها، ولم تعد مقدمة يقول أحمد العدناني في"طرق الدعوة الإسلامية" (44) :"ومن الخصائص المطلوبة في الخطبة: 1-حسن الافتتاح: بأن تكون المقدمة مناسبة في الطول والقصر، لزمن الخطبة، فالمقدمة تعادل من 8:5% من زمن الخطبة؛ لأن الافتتاح يعني لفت انتباه السامعين في القصد من الخطبة، لأن بعض الخطباء يطيل في المقدمة فيضيع الغرض المطلوب بيانه". ونحن ننبه هنا إلى أنه ينبغي تسمية الأشياء بأسمائها، ومن الظواهر الشائعة وضع الأسماء على غير مسمياتها, فمثلًا: سمعت أحدهم يلقي خاطرة، فيأتي بخطبة الحاجة كلها كمقدمة لكلامه مع أن خطبة الحاجة تصلح أن تكون مجالًا لعدة خواطر فهذا الذي ألقله الأخ الفاضل هو درس وإن سماه خاطرة وإن ألقاه وهو واقف، ويكفي الإنسان في مقدمة الخاطرة أن يقول:"بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد...إلخ"ثم يأتي بالخاطرة، ويمكن أن يفتتح بآية تكون مدخلًا للخاطرة أو يفتتح بسؤال أو بمثل أو حكمة، أو بحديث يكون موضوعًا للخاطرة. وهذا ليس تقييدًا بألفاظ معينة في مقدمة الخاطرة, ولكنه تقريب ومثال!
2.من الأخطاء الإطالة، فإن ذلك يؤدي إلى إملال الناس وبخاصة إذا كان الوقت مدعاة للاستعجال، كأن يقوم لإلقاء الخاطرة - بعد الجمعة مثلًا- فالمناسب أن يكون وقتها خفيفًا؛ لأن الناس قد استمعوا إلى خطبتين، وقد طال بقاؤهم في المسجد فلا يناسب وعظ بعد وعظ إلا إذا كان تنبيهًا سيفوت وقته كأن كان هناك خطأ أو مشكلة وقعت أثناء الجمعة لم ينبه عليها الخطيب فأراد أن يستدركها الخطيب، أو أحد المستمعين ولقد رأيت من يقوم لإلقاء خاطرة على الناس بعد الجمعة، فيطول كلامه إلى ثلث الساعة حتى يتململ الناس في أماكنهم.
3.تحديد الوقت: صحيح أن وقت الخاطرة في المتوسط خمس دقائق؛ ولكن لا يحسن من المتكلم أن يبدأ حديثه بتحديد زمن الكلام، كأن يقول: دقيقة فقط.. أيها الإخوة فأنت إذا قلت هذا قد حددت نفسك، وربما طالت الخاطرة من خمس إلى عشر دقائق، فسوف يحسب لك بعض الناس الوقت ويسخر منك - في سره غالبًا- فلا يلزمك هذا حتى وإن كنت ستتكلم دقيقة فقط. تكلم دقيقة ولا تخبرني أفضل.يقول هشام الطالبي في"دليل التدريب القيادي":"... في عام 1973 دعيت إلى كنيسة في"لوجانسبورت"في ولاية إنديانا، للتحدث عن الإسلام. تكلّم سبعة من القساوسة النصارى عن مللهم المختلفة في البداية ثم تحدث أستاذ هندوسي عن الهندوسية، وقد بدأ حديثه بالقول: «بالرغم من أنني هندوسي، فإنني لا أعرف شيئًا عن الهندوسية. لذلك فإنني سوف أتلو عليكم بضعة فصول من كتاب كتبته سيدة مسيحية أمريكية، قضت بضع سنوات في الهند...» وعندما اقترب من النهاية قال: «أخيرًا سوف أقرأ لكم هذا الفصل... أخيرًا سوف أقرأ فصلًا آخر... أخيرًا سوف أقرأ لكم صفحة أخرى» . وحينما قال «أخيرًا سوف أقرأ لكم فقرة أخرى» لم يصدقه أحد لأنه أعاد كلمة «أخيرًا» أكثر من مرة. لقد تملّك الجمهور الضجر من خطبته. العبرة في ذلك هي أنه مهما كانت الظروف، إياك أن تصدر حُكمًا مسبقًا على خطبتك أو تقدم عذرًا أو تدلي باعترافات حول طريقة طرحك للموضوع مثل: أنا آسف لم يكن لديّ الوقت الكافي للإعداد، أو إن خطبتي لن تكون جيدة، أو لقد دعاني المنظمون الآن فقط إلى التحدث بيد أني لا أعرف الكثير عن هذا الموضوع، أو بوسعكم أنتم أيها الحفل الكريم أن تقدموا خطبة أفضل ونحو ذلك. تجنب كل ما ورد من هذه العبارات المثبطة والسلبية، وادخل في الموضوع مباشرة وابذل كل ما في وسعك. لا تقوّم نفسك أمام الناس، لأنهم هم الذين سوف يقومونك. فقد تقدم أفضل عرض دون أن تدرك ذلك. وفي هذا الصدد يُروى أن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه لم يستطع في إحدى المرات أن يلقي خطبة الجمعة من فوق المنبر، وحينما كان ينزل من أعلى المنبر قال «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ، وعندما سمع الحاضرون منه ذلك قالوا: «لو كان قال ذلك من فوق المنبر لكانت تلك من أفضل الخطب» ."قلت:"العبارة مشهورة عن عثمان رضي الله عنه , وأما حكاية أنه لم يستطع أن يلقي خطبة الجمعة , فهذا مستبعد, وأين إسنادها؟!".
4.ذكر الخلافات: الخاطرة زمنها قصير فتحتاج إلى تركيز الكلام، فينبغي للمتكلم أن يأتي بالمتفق عليه، فإن لم يكن متفقًا عليه، فليأت بالراجح بدون عرض الخلاف، وليأت بعبارات عامة مثل: الأفضل والأحسن، فمثلًا: أردت أن ألقي خاطرة لأنبه الناس إلى أهمية الأضحية، وقد اختلف العلماء فيها هل هي واجبة؟ أم سنة؟ فإذا كانت خاطرة لا يلزمني مناقشة الأقوال وترجيح الاستدلال، وإنما أورد ما في ذبحها من موافقة الهدي وأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يفعلها وقيمة التقرب بها إلى الله، ومن فَهِم وجوبًا فَهِم ومن فَهِم سنة فَهِم، فأنا لم أصرح أو أتكلم عن وجوب أو استحباب، وإنما رغبت فيها وهي ( الأضحية) سواء كانت واجبة أو مستحبة فهي مرغب فيها، فأنا على صواب مع الاحتمالين، فهذا ليس موضع تحقيق ذلك، وإنما يكون هذا في الدروس...!
5.السماح بالمداخلات: المتكلم في الخاطرة يريد أن يُوصِّل فكرة معينة في دقائق معدودة، فلا ينبغي أن يسمح بالمداخلات التي ستطيل الكلام، وتثير شبهات تحتاج إلى ردود، وهذا سيخرج بالخاطرة عن معناها، وحقيقتها، وربما آثار ضوضاء ولغطًا فيشوش على خاطرته ويفسد حلاوتها، وإن كان ولا بد فاعلًا، فإذا اعترضه أحد الناس بمداخلة فليقل له: نعم، انتظر حتى أنتهي، بعد الكلمة ثم ليقف معه جانبًا وليجب على أسئلته. ولقد رأيت بعض من قام يلقي خاطرة يثير التساؤلات عند الناس، ويستفزهم بأسئلة وشبهات ربما لم يوردوها وهذا لا يصلح إلا في ظروف معينة وليس الأصل والله أعلم.
عاشرًا: نماذج نبوية للكلمة القصيرة (المسماة: بالخاطرة) :
سأتكلم عن فن ( الكلمة القصيرة أو الخاطرة) عند المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعندما أريد أن أتكلم عنها عند المصطفى أشعر بحرج خشية أن يفهم أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بخواطر غير معصومة، كما يخطر في بال أحدنا، فأردت أن أنبه لأمر وهو معلوم من الدين بالضرورة وهو أن ما يتكلم به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم معصوم؛ إما لأنه ابتداءً من الوحي،"إن هو إلا وحيٌ يوحى"وإما لأن النبي تكلم به بدون الوحي ابتداءً، ثم أقره الله، فكلام النبي وقوله وفعله - بأبي وأمي هو- معصوم ولو وقع شيء لنزل الوحي مصححًا ومبينًا كما حدث في وقائع متعددة كما هو في سورة"عبس"، وكما في"أسرى بدر"وغير ذلك مما هو مذكور في كتب الأصول والعقائد وغيرها. فإذا كان ذلك كذلك، فإن رأيي أن النبي الكريم استخدم الكلمة السريعة القصيرة في مناسبات عديدة وكثيرة، وتحققت بها نتائج باهرة، وما زالت هذه الكلمة السريعة القصيرة نتعلم منها في ديننا، وهي تمثل نسبة كبيرة من الأحاديث النبوية الشريفة، وهاك نماذج من فنون وتنوع الكلمة القصيرة، واستخدام المصطفى صلى الله عليه وسلم لها: