فهرس الكتاب

الصفحة 4419 من 9994

أيها الإخوة.. الشاهد من هذه القصة من هذا الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يتقبلون القرآن ويتلقونه على أنه شيء يتلى وتستنبط منه الأحكام ويعرف ما فيه من المعاني فقط بل قرؤوه رضي الله عنهم على أنهم هم المخاطبون هم المعنيون بما فيه من المعاني ولذلك شق عليهم فراجعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذي شق عليهم من هذا القرآن وهذا النبأ وهذه القصة ليست الفريدة وليست الوحيدة التي حفظتها كتب السنة في فعل الصحابة رضي الله عنهم عندما أنزل الله جل وعلا ما وجد الصحابة رضي الله عنهم فيه مشقة وفيه عسراً وصعوبة في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الله جل وعلا لما أنزل قوله سبحانه وتعالى على رسوله: ?الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ? (1) (2) هذه الآية فيها البشارة من الله جل وعلا لمن آمن وسلم من أن يخلط إيمانه بظلم فقوله تعالى ?وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ? أي لم يخلطوه بظلم، ?أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ? لهم الأمن في الدنيا والآخرة، وهم مهتدون أيضاً في الدنيا والآخرة لأن الهداية المسؤولة والمثبتة لأهل الإيمان ليست فقط في الدنيا بل الهداية في الدنيا والآخرة وهداية الآخرة أعظم من هداية الدنيا لكنها لا تكون إلا لمن اهتدى في الدنيا لأن هداية الآخرة بها النجاة من أهوال ذلك الموقف العظيم الذي تشيب فيه الولدان ?وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ? (3) ذلك اليوم يحتاج به الإنسان إلى هداية يخرج بها من تلك الأهوال ينجو بها من تلك المزالق يجوز بها الصراط فإنه لو لم يهده الله جل وعلا إلى اجتياز الصراط لما اجتاز ولما تمكن من السلامة من صراط ورد في وصفه أنه أدق من الشعر وأحد من السيف.

أيها الإخوة. . صحابة رسول الله لما نزلت عليهم الآية أتوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد شق عليهم الأمر فقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه يعني مَن منا ما وقع في الظلم؟ كلنا واقع في الظلم وهذه الآية لا يحصل فيها الأمن ولا الاهتداء إلا بالإيمان الذي لم يخلط فيه الإنسان إيمانه بظلم فشرط حصول الأمن والاهتداء أن لا يقع الإنسان في الظلم ففهم الصحابة أن هذا يشمل كل ظلم الدقيق والجليل الصغير والكبير الشرك فما دونه فجاؤوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكوا له أنه لا سلامة من الظلم بل كل إنسان ظالم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (4) وكما قال الله جل وعلا قبل ذلك: ?وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً? (5) حيث حمل الأمانة وقد أعرض عن حملها السماوات والأرض والجبال ?إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً? وهذا الوصف لا يختص بفرد من الناس ولا بجنس منهم بل هو لعموم الإنسان لعموم الناس فكلهم ظالم جهول لا يسلم الإنسان من هذين الوصفين إلا بالاهتداء بكتاب الله وبما جاءت به الرسل عن الله سبحانه وتعالى.

(1) ... الأنعام: 82.

(2) ... أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء برقم 3110 وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم 178.

(3) ... الحج: 2.

(4) ... أخرجه الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك في كتاب صفة القيامة برقم 2423.

(5) ... الأحزاب: 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت