فهرس الكتاب

الصفحة 4420 من 9994

أيها الإخوة الكرام. . لما جاء الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكون ما في هذه الآية ويبينون مشقتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: ليس الذي تظنون. أي ليس الظلم هو الذي ذهبتم إليه إنما هو قول الله جل وعلا في قول لقمان لابنه وهو يعظه: ?يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ? (1) (2) فالظلم الذي في الآية هو الشرك فهان الأمر على الصحابة رضي الله عنهم والشاهد أيها الإخوة أن الصحابة رضي الله عنهم لم يتلقوا القرآن تلقياً بارداً بل تلقوه للعمل وأخذوا به على أنهم هم المعنيون يقول ابن مسعود رضي الله عنه:"إذا سمعت الله جل وعلا في كتابه يقول: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا? فأرعها سمعك يعني أصغ إليها وأعطها أذنك فهي إما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه"، وهذا لكونهم أخذوا القرآن للتلقي والعمل وأن كل ما فيه خطاب لكل من سمعه خطاب لكل من بلغه وليس المخاطب فيه قوم مضوا ولم يبقَ لنا منه إلا أن نتعبد ونتقرب إلى الله جل وعلا بما فيه من الألفاظ وما فيه من الكلام الذي جرّد عن معناه ولم يقصد بما تضمنه. إن الصحابة رضي الله عنهم ضربوا في هذا أمثلة رائعة وانقادوا لما في كتاب الله جل وعلا انقياداً تاماً: هذا أبو بكر رضي الله عنه تتهم إبنته عائشة بالزنى ويبرئها الله جل وعلا في سورة النور في قصة الإفك يبرئها الله سبحانه وتعالى ويتبين أن من جملة من رمى عائشة وتكلم فيها مسطح بن اثاثة وهو قريب لأبي بكر رضي الله عنه كان فقيراً كان أبو بكر يصله بالإعانة ثم لما تبين الأمر وتبين براءة عائشة رضي الله عنها حلف أن لا يصله شيئاً من عطاياه بعد أن فعل ما فعل فأنزل الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى ?أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ? (3) فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى بلى. فانتهى أن يمتنع مما جرت به يده رضي الله عنه من الصدقة والإحسان على مسطح بسبب ما كان منه من إساءة لعائشة رضي الله عن الجميع.

أيها الإخوة الكرام. . إن الصحابة رضي الله عنهم تعاملوا مع القرآن تعاملاً ليس في جانب واحد ليس في جانب التلقي، فاقوا الأمة في جوانب عديدة من ذلك قراءتهم للقرآن فإن الصحابة رضي الله عنهم لازموا قراءة هذا القرآن كان أحدهم يلقى أخاه في الطريق فيقول: اجلس بنا نؤمن ساعة فيقرأ أحدهم على الآخر سورة العصر كانوا إذا اجتمعوا كما ثبت عنهم رضي الله عنهم كانوا إذا اجتمعوا جعلوا أحدهم يقرأ والبقية يستمعون للقرآن فالقرآن كان مخالطاً لحياتهم في قلوبهم في مجالسهم في تذكرتهم وموعظتهم فالقرآن دخل معهم في كل أمر وكانوا رضي الله عنهم مقترنين به مقبلين عليه مشتغلين به عن غيره فلذلك فاقوا غيرهم في الفقه فاقوا غيرهم في العمل فاقوا غيرهم في الجهاد فاقوا غيرهم فيما كتب الله على أيديهم من النصر كل هذا كان بسبب ما كانوا عليه من تعاهد القرآن والإقبال عليه والأخذ به والاستكثار منه. .

إن الصحابة رضي الله عنهم كان أحدهم يقرأ القرآن في مجلسه يقرأ القرآن في صلاته ولا إشكال يقرأ القرآن في طريقه يقرأ القرآن في كل شأنه وقد كان عثمان رضي الله عنه ليلة مقتله تالياً لكتاب الله جل وعلا حتى أنه ذكر أن الذي قتله -عليه من الله ما يستحق-قتله وكان في يديه كتاب الله جل وعلا.

(1) ... لقمان: 13.

(2) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء برقم 3110 وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم 178.

(3) ... النور: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت