فهرس الكتاب

الصفحة 4423 من 9994

أيها الإخوة الكرام. . الصحابة رضي الله عنهم كان أحدهم يقيم الليل بآية واحدة وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي ذر فإنه قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بآية يرددها حتى أصبح وهي قوله تعالى: ?إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ? (1) (2) هذه الآية أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة تامة في ترديدها وقراءتها، وورد ذلك عن جمع من الصحابة فعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كرر قوله تعالى: ?أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ? (3) ردد هذه الآية حتى أصبح، وورد ذلك أيضاً عن أسماء رضي الله عنها أنها قرأت قوله تعالى: ?فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ? (4) فوقفت رضي الله عنها عندها فجعلت تعيدها وتدعو فطال عليّ ذلك هذا الراوي يقول: فطال عليّ ذلك فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو رضي الله عنها. هذا التدبر للقرآن، فالتكرار في آيات القرآن ليس تكراراً لطلب الأجر بقراءة الأحرف إنما هو لطلب ما فيها من المعاني وطلب ما فيها من الخير وورد أن ابن مسعود رضي الله عنه ردد قوله تعالى: ?وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً? (5) وورد عن سعيد بن جبير رحمه الله أنه ردد قول الله تعالى: ?وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ? (6) وورد ذلك عن جمع من التابعين والصحابة رضي الله عنهم. والترديد للآية ليس أمراً مشروعاً في الفرائض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ولم ينقل عنه إنما هو في النوافل كما جاء ذلك في أثر حديث أبي ذر الذي رواه النسائي وغيره هذا الترداد للآيات هو من شواهد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتدبرون القرآن لأن الترداد والتكرار لهذه الآيات إنما هو للنظر في معانيها، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطيلون البكاء عند آيات الكتاب ولا عجب فقد رأوا ذلك من رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وقبل ذلك فإن الله جل وعلا أثنى في كتابه على الأنبياء وعلى أولي العلم الذين يخرون للأذقان سجداً والذين يخرون للأذقان يبكون مما في هذا الكتاب من المواعظ قال الله جل وعلا في وصف جماعة من الأنبياء: ?أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً? (7) وانظر إلى قوله: ?خَرُّوا? الذي يدل ويشعر بالمسارعة إلى السجود وأن السجود سجود ذل وخضوع وانكسار وتضرع ?خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً? أيضاً أخبر الله جل وعلا عن قوم من أهل الكتاب فقال سبحانه وتعالى: ?وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ? (8) فشواهد ثناء الله جل وعلا على الباكين عند تلاوة القرآن كثيرة وهي من الفضائل التي امتدح الله بها من امتدح من النبيين ومن أولي العلم وممن تعقلوا وتدبروا ما في هذا الكتاب من الحكم ولذلك كان سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - من أعظم الخلق نصيباً في ذلك ففي حديث عبدالله بن الشخير قال:"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا -أي يصلي بالصحابة- وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء" (9) والأزيز هو الحركة والحنين الناتج عن التدبر والتأثر بالقرآن الحكيم وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن مسعود:"اقرأ علي". فقال عبدالله رضي الله عنه:"أقرأ عليك وعليك أنزل؟"قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فإني أحب أن أسمعه من غيري"يقول: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت قوله تعالى: ?فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً? (10) قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أمسك فإذا عيناه تذرفان بكاءاً من تأثره - صلى الله عليه وسلم - بما سمع ) ) (11) .

(1) ... المائدة: 118.

(2) ... أخرجه النسائي في كتاب الافتتاح برقم 1000.

(3) ... الجاثية: 21.

(4) ... الطور: 27.

(5) ... طه: 114.

(6) ... البقرة: 281.

(7) ... مريم: 58.

(8) ... المائدة: 83.

(9) ... أخرجه أحمد في من برقم 15722.

(10) ... النساء: 41.

(11) ... أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن برقم 4662.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت