فهرس الكتاب

الصفحة 4424 من 9994

وهذا أيها الإخوة ليس في هذين فقط بل في مواضع عديدة من هديه - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان كثير البكاء لهذا القرآن وما تضمنه من الحكم وما تضمنه من العبر والآيات وقد سار على ذلك صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبو بكر الصديق رضي الله عنه ابتنى بيتاً وهو بمكة ابتنى مسجداً بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فتتقصف عليه نساء المشركين أي تجتمع وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن وهذا ليس خاصاً بأبي بكر رضي الله عنه بل إن عمر رضي الله عنه مع ما عرف به من الشدة والقوة كان رضي الله عنه بكّاءً، يقول من روى من أصحاب السير: إن عمر رضي الله عنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته. وفي رواية كان في صلاة العشاء أي كان يقرأ ذلك في صلاة العشاء فهذا يدل على كثرة تكراره لهذه السورة وأنه رضي الله عنه كثير البكاء ويقول عبدالله ابن شداد بن الهاد قال: سمعت نشيج عمر بن الخطاب وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح يقرأ في سورة يوسف: ?قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ? (1) .

أيها الإخوة. . إن الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في البكاء والتأثر بتلاوة القرآن عديدة وكثيرة لكن هنا وقفة مع حال السلف في التأثر والبكاء عند قراءة القرآن البكاء نوعان: نوع يأتي بلا طلب وبدون تكلف وهو ما يكون من تأثر طبيعي لا يطلبه الإنسان إنما هو ناتج عن تدبره وتأمله لما في هذه من الآيات من الترهيب أو الترغيب أو عظيم صنع الله جل وعلا أو عظيم وصفه وهذا لا شك أنه الذي كان عليه حال السلف رضي الله عنهم وهو دال على سلامة القلب ولينه وصحته وحياته النوع الثاني: وهو البكاء الذي يكون بطلب منه ما يكون بطلب ينظر فيه الإنسان ويحث نفسه على النظر في معاني الكتاب ليتأثر ومنه قول عمر رضي الله عنه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر لما رآهما يبكيان قال لهما رضي الله عنه: يا رسول الله أخبرني ما يبكيك وصاحبك فإن وجدت بكاءً بكيت معكما وإن لم أجد تباكيت وليس المقصود أنه يتكلف البكاء إنما يطلب أسباب البكاء التي من أجلها حصل البكاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعليه يحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ) ) (2) فهذا الحديث يدل على مشروعية التباكي لكنه التباكي الذي ليس فيه تكلف وليس فيه طلب رياء ولا سمعة إنما فيه طلب التأثر بالكتاب إذا كان القلب قد منعه مانع أو عرض وحال دون حصول البكاء منه حائل. فينبغي لنا أن نطهر قلوبنا وأن نطيبها ليحصل بها التأثر بالقرآن دون تكلف.

(1) ... يوسف: 86.

(2) ... أخرجه ابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم 1327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت