فهرس الكتاب

الصفحة 4425 من 9994

أيها الإخوة. . هذا التدبر وهذا الترداد وهذا البكاء ليس آنياً محصوراً بوقت القراءة لا يثمر أثراً ولا يحصل به ثمر لما بعد القراءة بل إن حال الصحابة رضي الله عنهم حال تأثر ممتد حال تأثر غير منقطع ولذلك كانت أعمالهم رضي الله عنهم على خير حال وعلى خير مطلوب لأنهم رضي الله عنهم أثمر هذا التأثر في حياتهم، والواقع في حياة الناس اليوم أنك تجد في بعض الصلوات من يبكي عند قراءة القرآن بكاءً خاشعاً إلا أن هذا ولا يتجاوز حدود المسجد الذي حصل فيه التأثر وحصل فيه البكاء فليس لهذا البكاء أثر في العمل ولا أثر في السلوك ولا أثر في الأخلاق ولا أثر في ترك المعصية ولا أثر في الإقبال على الطاعة ولا شك أن هذا قصور وأن هذا تقصير فيما ينبغي أن يكون عليه أثر القرآن قال الله جل وعلا في بيان أثر القرآن على من اتبعه وأخذ به قال جل وعلا: ? فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى? (1) لا يضل في عمله ولا يشقى في مآله ولا في حاله فهو سالم من الضلال وسالم من الشقاء فلذلك ينبغي لقارئ القرآن وسامعه أن يكون للقرآن أثر في سلوكه وخلقه قال ابن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن - ولا يلزم هذا أن يكون من الحافظ فقط بل هو لكل حامل له ولو حمل شيئاً منه - أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخلطون وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي أن يكون باكياً محزوناً حكيماً عليماً سكيناً -أي ساكناً- ولا يكون جافياً ولا غافلاً ولا صاخباً ولا صياحاً ولا حديداً - أي ولا شديداً في مطالبة الخلق ولا معاملتهم-. وقد ورد مثل هذا التوجيه وبيان أثر القرآن على حامله وعلى القارئ له في عدة أقوال من أقوال الصحابة رضي الله عنهم منها ما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:"يا حملة القرآن - أو قال: يا حملة العلم - اعملوا به فإنما العلم من عمل علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم"أي لا يجاوز رؤوسهم لا يجاوز حناجرهم بل مجرد قول على اللسان ليس له أثر على القلب ولا شك أن هذا الحاجز وهذا المانع يمنع من التأثر بالقرآن والانتفاع به.

أيها الإخوة الكرام. . إن الصحابة رضي الله عنهم نزل القرآن معالجاً لأمراضهم وما كان من الوقائع ولذلك كانوا يتوقعون القرآن ويرقبون ويجلون ويخافون أن ينزل شيء يبين شيئاً من عوراتهم أو يكشف شيئاً مما يكرهونه أو يكون سبباً لهلاك بعضهم فكانوا رضي الله عنهم على غاية الحذر والوجل في نزول القرآن وفي تلقيه ولذلك كانت أحوالهم مستقيمة رضي الله عنهم.

الصحابة أيها الإخوة كانوا إذا نزلت الآية تلقوها على الوصف السابق ثم كان العمل وكان الإقبال على سائر العمل الصالح وكان إذا عاتبهم الله جل وعلا وجد منهم الانزجار كما قال الله جل وعلا في قوله: ?أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ? (2) فكان الصحابة رضي الله عنهم يعاتبون بالقرآن فيحصل منهم الاستعتاب يحصل منهم المراجعة يحصل منهم إصلاح الخطأ إذا نزلت بهم مصيبة أو نزلت بهم هزيمة كما جرى في أحد وطلبوا السبب جاءهم الجواب كما قالوا في غزوة أحد ?أَنَّى هَذَا? أي من أين أتينا؟ قال الله جل وعلا في بيان ذلك: ?قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ? (3) فالقرآن في حياة الصحابة يختلف عنه تماماً في حياة غيرهم ولذلك تميزوا عن غيرهم تميزاً سابقاً واضحاً لا يلحق مقامهم ولا يدرك شرفهم رضي الله عنهم لكن كل من سلك سبيلهم ممن اتبعهم بإحسان وسار على طريقهم فإنه يحصل من الفضل والخير مثل ما حصلوا أو قريباً منه.

(1) ... طه: 123.

(2) ... الحديد: 16.

(3) ... آل عمران: 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت