فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 9994

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فإن يوم العاشر من شهر محرم له منزلة ومكانة في ديننا، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل هذا اليوم وفضل صيامه، وسنذكر في هذا الدرس بعض أحكام هذا اليوم كما سنتطرق في الدرس القادم. لبعض البدع التي ترتكب في هذا اليوم من قبل الشيعة وغيرهم حتى يحذرها الناس فلا يقعوا فيها..

تسمية عاشوراء وتحديده:

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: عاشوراء بالمد على المشهور، وحكى فيه القصر وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية، ورد ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة رضي الله عنها: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. أ.هـ.

وقد اختلف أهل الشرع في تحديد يوم عاشوراء هل هو التاسع من محرم أوالعاشر، ذكر هذا الخلاف الحافظ في الفتح، ونقل قول القرطبي وهو: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علمًا على اليوم العاشر. وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر من شهر الله المحرم وهذا قول الخليل وغيره، وقال الزين ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والسمية.

فضله ومكانته:

في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء. فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يومًا يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم - يعني يوم عاشوراء- .

إن يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة، وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفًا بين الأنبياء عليهم السلام وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام.

وكان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه. قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنبًا فتعاظم في صدورهم فسألوا ما توبتهم؟ قيل: صوم عاشوراء يوم العاشر من محرم.

وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع حالات في صيام عاشوراء:1

الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه فترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء أفطره.

الحالة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له، وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه، وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه حتى كانوا يصومونه أطفالهم. ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(فنحن أحق وأولى بموسى منكم) ، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه). وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود قد صاموا عاشوراء، فقال: ما هذا من الصوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله عز وجل موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكرًا لله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم) ، فأمر أصحابه بالصوم، وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا من أسلم: أن أذن في الناس: من أكل فليصم بقية يومه، من لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء).

وفيهما أيضًا عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء، إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: (من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه) فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الإفطار. وفي رواية فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم بها حتى يتموا صومهم، وفي الباب أحاديث كثيرة جدًا.

وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبًا أم كان سنة متأكدة؟

على قولين مشهورين: ومذهب أبي حنيفة أنه كان واجبًا حينئذٍ؛ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وأبي بكر الأثرم. وقال الشافعي رحمه الله: بل كان متأكد الاستحباب فقط.

الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بصيام عاشوراء وتأكيده فيه، وسبق حديث عائشة في ذلك. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك ذلك. وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وفي رواية لمسلم: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه) . وفي رواية أيضًا: (فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدعه) . وفي الصحيحين أيضًا عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت