فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 9994

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في يوم عاشوراء: هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك)... فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه. فإن كان أمره صلى الله عليه وسلم بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء رضي الله عنهم، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد. فقد قيل: إنه زال التوكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله، وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد، وممن روى عنه صيامه من الصحابة عمر وعلى وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد، وابن عباس، وغيرهم. ويدل على بقاء استحبابه ومداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليه قول ابن عباس رضي الله عنهما: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يومًا يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان، وابن عباس إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم بآخره، وإنما عقل منه صلى الله عليه وسلم من أمره آخر. وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه؟ فغضب صلى الله عليه وسلم ثم سأل عمر رضي الله عن أنواع من صيام التطوع؛ وصيام الدهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم وفطر يومين، يوم عرفة.. والنبي صلى الله عليه وسلم يجيبه ثم قال في جملتها عن صيام عاشورا: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) ، فدل ذلك على أن الرجل وعمر رضي الله عنهما لم يريدا السؤال عن صيام الفرض وإنما سألا عن التطوع عن صيام.

أما"سَبَبُ غَضَبِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَرِهَ مَسْأَلَتَهُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُجِيبَهُ وَيَخْشَى مِنْ جَوَابه مَفْسَدَةً , وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا اِعْتَقَدَ السَّائِل وُجُوبه أَوْ اِسْتَقَلَّهُ أَوْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ , وَكَانَ يَقْتَضِي حَاله أَكْثَر مِنْهُ , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشُغْلِهِ بِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقهمْ وَحُقُوق أَزْوَاجه وَأَضْيَافه وَالْوَافِدِينَ إِلَيْهِ , لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُؤَدِّيَ إِلَى الضَّرَر فِي حَقّ بَعْضهمْ , وَكَانَ حَقّ السَّائِل أَنْ يَقُول: كَمْ أَصُوم أَوْ كَيْف أَصُوم ؟ فَيَخُصّ السُّؤَال بِنَفْسِهِ لِيُجِيبَهُ بِمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ , كَمَا أَجَابَ غَيْره بِمُقْتَضَى أَحْوَالهمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ".قاله النووي في شرح مسلم

وأخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر).

الحالة الرابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم في آخر عمره على أن لا يصومه مفردًا بل يضم إليه يومًا آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع) . قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر) . يعني عاشوراء. وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا يوم عاشوراء خالفوا اليهود صوموا التاسع والعاشر) ، وعلل بخشية فوات عاشوراء.

قال الإمام أحمد: أنا أذهب إليه. وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس: أنه كان يصوم عاشوراء في السفر، ويوالي بين اليومين خشية فواته. وكذلك روي عن ابن إسحاق أنه صام يوم عاشوراء ويومًا قبله ويومًا بعده، وقال: إنما فعلت ذلك خشية أن يفوتني.

وروى ابن سيرين أنه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطًا.

وروى عن ابن عباس والضحاك أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم. قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنه اليوم العاشر، إلا ابن عباس فإنه قال: إنه التاسع. وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: لا أدري هو التاسع أو العاشر، ولكن نصومهما، فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيام احتياطًا. وابن سيرين يقول ذلك، وممن رأى صيام التاسع والعاشر: الشافعي وأحمد وإسحاق وكره أبو حنيفة إفراد العاشر وحده بالصوم.

ومن أعجب ما ورد في عاشوراء أنه كان يصومه الوحش والهوام. وقد روي مرفوعًا: أن الطير أو طير صام عاشوراء). خرجه الخطيب في تاريخه وإسناده غريب. وقد روي ذلك عن أبي هريرة وروي عن فتح بن شخرف قال: كنت أفت للنمل الخبز كل يوم فلما كان يوم عاشوراء لم يأكلوه. وروي عن القادر بالله الخليفة العباسي أنه جرى له مثل ذلك، وأنه عجب منه فسأل أبا الحسن القزويني الزاهد فذكر له أن يوم عاشوراء تصومه النمل.

وقد روي: إن يوم عاشوراء، كان يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدًا لهم. ويروى أن موسى عليه السلام كان يلبس فيه الكتان، ويكتحل فيه بالأثمد. وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذونه عيدًا، وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك وكان يسترون فيه الكعبة.2

وهنا قد يسأل سائل ويقول: هل يجوز أن يتخذ يوم عاشوراء عيدًا؟ يجيب عن ذلك الإمام ابن رجب في كتابه لطائف المعارض 3، فيقول: ولكن شرعنا ورد بخلاف ذلك ففي الصحيحين عن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء يومًا تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوموه أنتم) . وفي رواية مسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا ويلبسون نسائهم فيه حليهم وشارتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خالفوهم فصوموه) وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيدًا، وعلى استحباب صيام أعياد المشركين. فإن الصوم ينافي اتخاذه عيدًا فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه كما تقدم، فإن في ذلك مخالفة لهم في كيفية صيامه أيضًا. فلا تبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكلية. أ.هـ.

وإلى هنا ونكتفي بهذا القدر في هذا الدرس، حتى الملتقى في الدرس القادم، بمشيئة الله تعالى، وصلى الله ل نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

1 لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب ص53.

2-لطائف المعارف ص 58.

3-ص 59

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت