فالرشوة كسب خبيث وأكلٌ لأموال الناس بالباطل وإعانة على الظلم والعدوان وهدر لكرامة الإنسان لما يترتب عليها من ضياع الحقوق وفساد المجتمعات، وقد توعد رسول الله أكلة الرشوة والمتعاملين بها بالطرد والإبعاد عن مظانّ الرحمة كما جاءت الأحاديث مصرحة بذلك.
1-فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله الراشي والمرتشي) [13] .
2-وعن ثوبان رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش: يعني الذي يمشي بينهما) [14] .
حكم هدايا العمال والحكام وعامة الناس:
أ - فقد وردت أحاديث صحيحة بحرمة هدية الحاكم من قضاة ومسؤولين وغيرهم واعتبرت من الرشوة التي صرح النبي بحرمتها وأكل أموال الناس بالباطل وخصوصاً إذا كان هناك مصلحة للمُهدي عند المَهدي إليه، وبالأدلة الشرعية على حرمتها يتضح ذلك.
ب - وهناك من أباح هدية الحاكم لدفع ظلم أو تحقيق حق كما سيأتي.
ت - وهناك من أباح للمُهدي للحصول على حقه وحرّم على الآخذ - أي: المَهدي إليه -، والحق في ذلك أن الأحاديث الصحيحة تفيد الحرمة على الجميع: المهدي والمهدي إليه للأدلة الصريحة في التحريم والتحذير من ذلك:
1-فعن أبي حميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبيّة - على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقام رسول الله على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( أما بعد، فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي، أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً، والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفنّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه فقال: اللهم هل بلغت ) ) [15] [متفق عليه] .
2-وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي قال: (( ومن شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقد أتى باباً عظيماً من الربا ) ) [16] .
3-وعن حذيفة بن اليمان مرفوعاً: (( هدايا العمال حرام ) )وعن أبي حميد عن النبي قال: (( هدايا العمال غلول ) ) [17] .
رفض الخلفاء الهدية خوفاً من الشبهة:
وكان سلفنا الصالح يتورعون عن قبول الهدايا خوفاً من الشبهة وخصوصاً إذا تقلد أحدهم عملاً من أعمال المسلمين. ولهذا بوّب البخاري في صحيحه باباً وقال: (باب من لم يقبل الهدية لعلة) ثم ساق البخاري أثر عمر بن عبد العزيز قوله: (كانت الهدية في زمن رسول الله هدية، واليوم رشوة) .
وقال ابن حجر العسقلاني في هذا الباب: قال فرات بن مسلم: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئاً يشتري به، فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح فتناول واحدة فشمها ثم ردّ الأطباق، فقلت له في ذلك. فقال: لا حاجة لي فيه. فقلت: ألم يكن رسول الله وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ فقال: (أي: عمر بن عبد العزيز) : إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة [18] .
أقوال العلماء في هدايا العمال وغيرهم:
1-جمهور علماء الإسلام لا يجيزون هدايا الحكام ولا العمال للأدلة المتقدمة؛ لما في ذلك من أكل أموال الناس بالباطل واعتبروها من السحت وإعانة على الظلم لما يترتب على ذلك من محاباة المُهدي بسبب هديته.
2-وهناك من جعله في درجة الكفر، ولعل هذا القول فيه مغالاة، وسيأتي بيانه في موضعه. ولربما كان مقصدهم الكفر العملي لا الاعتقادي. والله أعلم.
3-وهناك من أجاز هدية الحاكم من باب المكافأة، والإثم على الحاكم لا على المهدي إذا كان لا يتوصل إلى حقه إلا بالهدية.
ونقل ابن حجر العسقلاني قول فرات بن مسلم في هذا الموضع في فتح الباري. قال رحمه الله: إن لم يكن المَهدي له حاكماً والإعانة لدفع مظلمة أو إيصال حق فهو جائز ولكن يستحب له ترك الأخذ، وإن كان حاكماً فهو حرام. [19] ا.هـ ملخصاً.
أقوال علماء الإسلام في هذه المسألة:
1-قال ابن قدامة [20] في المغني: فأما الرشوة في الحكم ورشوة العامل فحرام بلا خلاف، قال الله تعالى: أكالون للسحت [المائدة:42] .
قال الحسن البصري وسعيد بن جبير في تفسيره: هو الرشوة، وقال: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر، إلى أن قال: ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحكم عنه، وذلك من أعظم الظلم.
ثم قال ابن قدامة: قال مسروق: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشوة في الحكم؟ قال: لا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - هم الظالمون - هم الفاسقون ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك ، . . .
وقال قتادة: قال كعب: الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم - إلى أن قال ابن قدامة:
فأما الراشي؛ فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه حقاً فهو ملعون، وإن رشاه ليدفع عنه مظلمة ويجزيه على واجبه؛ فقد قال عطاء وجابر بن زيد والحسن: لا بأس أن يصانع على نفسه.