فهرس الكتاب

الصفحة 4595 من 9994

قال ابن قدامة: قال جابر بن زيد: ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشاء، ولأنه يستنقذ له كما يستنقذ الرجل أسيره، فإن ارتشى الحاكم أو قبل هدية ليس له قبولها؛ فعليه ردّها إلى أربابها لأنه أخذها بغير حق، فأشبه المأخوذ بعقد فاسد. ويحتمل أن يضعها في بيت المال لأن النبي لم يأمر ابن اللتبية بردها إلى أربابها. ا.هـ. [المغنى] .

2-قال الشوكاني في نيل الأوطار [21] : قال ابن رسلان في شرح السنن: ويدخل في إطلاق الرشوة الرشوة للحاكم والعامل على أخذ الصدقات، وهي حرام بالإجماع. وقال الشوكاني أيضاً: قال المنصور بالله وأبو جعفر وبعض أصحاب الشافعي: وإن طلب بذلك حقاً مجمعاً عليه جاز. قيل: وظاهر المذهب المنع لعموم الخبر.

رد وتعقيب للإمام الشوكاني:

وقال الشوكاني رداً على أئمة الزيدية: والتخصيص لطالب الحق بجواز تسليم الرشوة منه للحاكم لا أدري بأيّ مخصص. فالحق التحريم مطلقاً أخذاً بعموم الحديث. ومن زعم الجواز في صورة من الصور، فإن جاء بدليل مقبول وإلا كان تخصيصه رداً عليه، فالأصل في مال المسلم التحريم: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة:188] . ثم قال الشوكاني: والأصل أن الدافع للرشوة إنما دفعه لأحد أمرين:

الأول: إما لينال به حكم الله إن كان محقاً وذلك لا يحل، لأن المدفوع في مقابله أمر واجب أوجب الله - عز وجل - على الحاكم الصدع به. فكيف لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئاً من الحطام؟

الثاني: وإن كان الدافع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان مبطلاً، فذلك أقبح لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور، فهو أشد تحريماً من المال المدفوع للبغيّ في مقابلة الزنا بها، لأن الرشوة يتوصل بها إلى أكل مال الغير الموجب لإحراج صدره والإضرار به، بخلاف المدفوع للبغي. فالتوسل به إلى شيء محرم وهو الزنا لكنه مستلذ للفاعل والمفعول به. وهو أيضاً ذنب بين العبد وربه. وهو أسمح الغرماء، ليس بين العاصي والمغفرة إلا التوبة ما بينه وبين الله، وبين الأمرين فرق بعيد. ثم ساق الأدلة على تحريم الرشوة في كتابه المذكور نيل الأوطار.

ثم قال الشوكاني: وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أحد التابعين: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وقال: ويدل على المنع من قبول هدية من استعان بها على دفع مظلمته ما أخرجه أبو داود عن أبي أمامة عن النبي: (( من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له عليها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا ) )وفي إسناده مقال [22] .

ثم قال الشوكاني: فليحذر الحاكم المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا ممن أهدى إليه بعد توليته القضاء، فإن للإحسان تأثيراً في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المُهدي إليه ميلاً يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المُهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظهر أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه. والرشوة لا تفعل زيادة على هذا، إلى أن قال الشوكاني: ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إلي قبل الدخول فيه، بل من الأقارب فضلً عن سائر الناس. اهـ. [كلام الشوكاني بإيجاز واختصار من كتابه نيل الأوطار[23] ].

3-وقال الأمير الصنعاني [24] : في كتابه سبل الإسلام والرشوة حرام بالإجماع سواء كانت للقاضي أو للعامل على الصدقة أو لغيرهما، وقد قال الله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون [البقرة:188] .

ثم قال: وحاصل ما يأخذه القضاة من الأموال على أربعة أقسام:

الأول: الرشوة: إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام على الآخذ والمعطي. وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي لأنها لاستيفاء حقه فهي كجعل الآبق، وأجرة الوكالة على الخصومة. وقيل: تحرم لأنها توقع الحاكم في الإثم.

الثاني: الهدية: فإن كانت ممن يهاديه قبل الولاية فلا تحرم استدامتها، وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية، فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على الحاكم والمهدي.

الثالث والرابع: الأجرة: وأما الأجرة فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق حرمت بالاتفاق (يعني حرمت الهدية للحاكم بالاتفاق) لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم فلا وجه للأجرة، وإن كانت لا جراية له من بيت المال جاز له الأجرة على قدر عمله غير حاكم، فإن أخذ أكثر مما يستحقه حرم عليه، لأنه إنما يعطى الأجرة لكونه عمل عملاً لا لأجل كونه حاكماً، ولا يستحق لأجل كونه حاكماً شيئاً من أموال الناس اتفاقاً. فأجرة العمل مثله وأخذ الزيادة على أجرة مثله حرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت