فهرس الكتاب

الصفحة 4596 من 9994

لذا قيل: إن تولية القضاء لمن كان غنياً أولى من تولية من كان فقيراً، وذلك لأنه لفقره يصير متعرضاً إلى ما لا يجوز له تناوله إذا لم يكن له رزق من بيت المال.

4-قال القرضاوي في كتابه الحلال والحرام [25] : وقد حرم الإسلام على المسلم أن يسلك طريق الرشوة للحكام وأعوانهم، كما حرّم على هؤلاء أن يقبلوها إذا بذلت لهم، كما حظر على غيرهم أن يتوسطوا بين الآخذين والدافعين - ثم ساق الأدلة على تحريم ذلك - ثم قال: والإسلام يحرم الرشوة في أي صورة كانت وبأي اسم سميت، فتسميتها باسم الهدية لا يخرجها من دائرة الحرام إلى الحلال.

الرشوة لرفع الظلم:

ثم قال القرضاوي في كتابه المذكور [26] : ومن كان له حق مضيّع لم يجد طريقة للوصول إليه إلا بالرشوة، أو دفع ظلم لم يستطع دفعه عنه إلا بالرشوة، فالأفضل له أن يصبر حتى ييسر الله له أفضل السبل لرفع الظلم ونيل الحق، فإن سلك سبيل الرشوة من أجل ذلك فالإثم على الآخذ المرتشي وليس عليه (إثم الراشي) .

وهذه الحالة ما دام قد جرّب كل الوسائل فلم تأت بجدوى، وما دام يرفع عن نفسه ظلماً أو يأخذ حقاً له دون عدوان على حقوق الآخرين.

ثم قال: وقد استدل بعض العلماء على ذلك بأحاديث الملحين الذين كانوا يسألون النبي من الصدقة فيعطيهم وهم لا يستحقون، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي قال: (( إن أحدكم ليخرج بصدقته من عندي متأبطها - أي يحملها تحت إبطه - وإنما هي له ناراً، قال عمر: يا رسول الله كيف تعطيه وقد علمت أنها له نار؟ قال: فما أصنع؟ يأبون إلا مسألتي، ويأبى الله عز وجل لي البخل ) ) [27] .

وقال القرضاوي معقباً على ذلك: فإذا كان ضغط الإلحاح جعل الرسول يعطي السائل ما يعلم أنه نار على آخذه، فكيف يكون ضغط الحاجة على دفع ظلم أو أخذ حق مهدور؟؟

5-قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفتاوى: قال رحمه الله رحمة واسعة [28] : ولهذا قال العلماء يجوز رشوة العامل لدفع الظلم، لا لمنع الحق، وإرشاؤه حرام فيهما، وكذلك الأسير والعبد المعتق إذا أنكر سيده عتقه له أن يفتدي نفسه بمال يبذله، ويجوز له بذله وإن لم يجز للمستولي عليه بغير حق أخذه.

وكذلك المرأة المطلقة ثلاثاً إذا جحد الزوج طلاقها فافتدت منه بطريق الخلع في الظاهر، كان حراماً عليه ما بذلته، ويخلصها من رق استيلائه. مستدلاً بحديث عمر بن الخطاب المتقدم - قال ابن تيمية: ولهذا قال رسول الله: (( إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتلظاها ناراً، قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل ) )ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن ذلك ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة، فلو أعطى الرجل شاعراً أو غير شاعر لئلا يكذب عليه أو يهجوه أو يتكلم في عرضه كان بذله لذلك جائزاً.

وجاء في الفتاوى لشيخ الإسلام [29] : وسئل شيخ الإسلام عن رجل أهدى الأمير هدية يطلب حاجة أو التقرب أو للاشتغال بالخدمة عنده أو ما أشبه ذلك، فهل تجوز هذه الهدية على هذه الصورة أم لا؟

فأجاب رحمه الله: الحمد لله، ففي سنن أبي داود وغيره عن النبي أنه قال: (( من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا ) ).

وقال: وسئل ابن مسعود عن السحت، فقال: هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدي لك هدية فتقبلها، فقال له: أرأيت إن كانت هدية في باطل؟ فقال: ذلك كفر ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة:44] . ولهذا قال العلماء: إن من أهدى هدية لولي أمر ليفعل معه ما لا يجوز كان حراماً على المُهدي والمَهدي إليه - وهذه من الرشوة التي قال فيها النبي: (( لعن الله الراشي والمرتشي ) ).

والرشوة تسمى: (البرطيل) ، والبرطيل في اللغة هو الحجر المستطيل فاه. فأما إذا أهدي له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب؛ كانت هذه الهدية حراماً على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها إليه - ثم ساق شيخ الإسلام ابن تيمية حديث عمر بن الخطاب المتقدم، وقد أسهب ابن تيمية في هذه المسألة، فمن أراد المزيد من الاطلاع فليراجع الفتاوى من ص 285 إلى ص 288 من المجلد الحادي والثلاثين.

حكم هدية غير الحكام والعمال:

1-أما هدية غير الحكام والعمال فإذا توصل بها إلى تحقيق ظلم أو إبطال حق فلا خلاف بين علماء الإسلام على أنها حرام.

2-وأما إذا لم يتوصل بها إلى تحقيق ظلم أو إبطال حق وإنما قصد بها منفعة للمهدي إليه فهي جائزة ومشروعة.

3-وهناك من أجاز للمهدي أن يتوصل إلى حقه ومنعها على المهدي إليه - واستدل المانعون بعموم النصوص الواردة بتحريم أكل أموال الناس بالباطل وبغير حق ومن غير طيب نفس. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا ) ) [رواه أحمد] .

وقال الأمير الصنعاني [30] : وفيه دليل على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة، وظاهره سواء كان قاصداً لذلك عند الشفاعة أو غير قاصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت