فهرس الكتاب

الصفحة 4597 من 9994

وقال الصنعاني [31] : والرشوة حرام بالإجماع، سواء كانت للقاضي أو العامل على الصدقة أو لغيرهما، وقد تقدم كلامه.

خلاصة القول في المسألة:

والظاهر من الأدلة الصريحة أن الرشوة حرام بجميع ضروبها وأشكالها وألوانها إذا كان يتوصل بها إلى إبطال حق أو إقرار ظلم لما يترتب على ذلك من المفاسد والأضرار وهذا حرام شرعاً.

والإسلام راعى أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والتسامح بجواز الرشوة يعوّد الناس على أكل الحرام وعدم الشعور بالمسؤولية لما يترتب على ذلك من تعطيل مصالح المسلمين وتأخير أعمالهم وعدم إنجازها إلا بالرشوة - فتنعدم الثقة بين الناس وتقل أواصر المودة والمحبة بينهم، وهذا مما حذر منه القرآن الكريم ونهى عنه النبي الأمين صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة:2] .

وفي الحديث الشريف عن جرير بن عبد الله أن النبي قال: (( من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) ) [رواه مسلم] .

ولاشك أن الرشوة قتل لروح التعاون بين المسلمين وهدر لكرامة المؤمنين. ومن عوّد نفسه على أخذ الرشوة وأكلها فقد سن في الإسلام سنة سيئة، عليه إثمها وإثم من استنّ به وقلده بهذا الجرم. فالمؤمن يترفع عن ذلك ويرضى بالكسب الحلال الذي رغب فيه الإسلام.

جاء في كتاب الحلال والحرام للقرضاوي [32] : قال: ولا غرابة في تحريم الإسلام للرشوة وتشديده على كل من اشترك فيها، فإن شيوعها في مجتمع شيوع للفساد والظلم، من حكم بغير الحق أو امتناع عن الحكم بالحق، وتقديم من يستحق التأخير، وتأخير من يستحق التقديم، وشيوع روح النفعية في المجتمع لا روح الواجب. ا.هـ.

والحق أن الإسلام حرم على المسلم كل فعل أو قول أو واسطة تساعد على الباطل أو يتوصل بها إلى الحرام، كآكل الربا ومعطي الربا وكاتب المعاملة بينهما والشاهد عليها واعتبر الإسلام الجميع في الجرم سواء.

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: (( هم سواء ) ) [رواه مسلم] .

فالحديث الشريف شمل الجميع بالإثم لأن عملية الربا تقوم على أربعة أركان لا تتم إلا بهذه الأركان الأربعة، فكل ركن ساعد على الظلم وأعان على الباطل، فدخل في غضب الله ووعيده. وهذا ما يتعارض مع قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة:2] .

وكذا الحال في الرشوة، فكل من أعان على ترويجها بين الأفراد وفي المجتمعات فهو على خطر عظيم، دخل في الوعيد الشديد. فليحذر المؤمن من المروجين للباطل والمزينين للحرام، فالرسول يقول في الحديث الصحيح: (( إن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه.. ) ) [33] .

محاسبة العمال من قبل السلطان:

عن أبي حميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي رضي الله عه قال: استعمل النبي رجلاً من الأزد، يقال له: ابن اللتبيّة - على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقام رسول الله على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي، أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً، والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفنّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه فقال: اللهم هل بلغت ) ) [34] [متفق عليه] .

ما يستفاد من حديث ابن اللتبية:

جاء في فتح الباري (13/167) عند شرح حديث ابن اللتبية تحت عنوان: (باب هدايا العمال) قال ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد:

1-أن الإمام يخطب في الأمور المهمة، واستعمال أما بعد في الخطبة.

2-منع العمال من قبول الهدية ممن له عليهم حكم، لحديث معاذ بن جبل لما بعثه الرسول إلى بلاد اليمن قال له: (( لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول ) ) [أخرجه الترمذي] .

أقول: ويقصد بالعمال: كل من ولاه السلطان عملاً من الأعمال كالقضاة وموظفي الدولة على مختلف أعمالهم، فالنهي يشملهم.

3-مشروعية محاسبة المؤتمن.

4-قال ابن حجر: قال المهلب: فيه أن ما أخذه العامل تُجعل في بيت المال، ولا يختص العامل منها إلا بما أذن له فيه الإمام.

5-قال ابن قدامة في المغني: وعلي ردّها لصاحبها، ويحتمل أن تجعل في بيت المال، لأن النبي لم يأمر ابن اللتبية برد الهدية التي أهديت له لمن أهداها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت