والواقعة الثانية يرويها الشيخ حسن بلال إمام أحد المساجد في ضواحي سراييفو فيقول: كان جنودنا يسيطرون على قمة جبل وجاءهم الصرب في هجوم عنيف للسيطرة على هذا الجبل ،وكانت المفاجأة أن قتل المسلمين كل الجنود الصرب وعدهم أربعون جنديًا وترك الشاب المسلم الذي قاد زملاءه رسالة مع الشيخ حسن بلال وطلب منه أن تبقى هذه الرسالة مغلقة ولا يفتحها إلا في رمضان حتى يقرأها على المصلين .. وحينما جاء رمضان فتح الشيخ الرسالة وقرأها فإذا بالشاب المسلم يقول فيها: إننا أثناء رد الهجوم لم نكن نرى شيئًا وإنما أطلقنا مدافعنا بعشوائية في كل اتجاه بدون أن نحدد هدفًا .. ولكن بعد انتهاء المعركة وجدنا أن جميع جنود الصرب قد قتلوا جميعًا وبلا استثناء وفي مكان واحد وهو أعلى الرقبة للأمام .. وصدق الله العظيم إذ يقول [وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى] .
ذروة سنام الإسلام
يقول د. محمد سيد أحمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر: الجهاد في سبيل الله ذرة سنام الإسلام وهو من أعظم الطاعات والقربات ولا يعرفه إلا من ذاق طعم العزة والكرامة والحرية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا] ومنازل الشهداء عند الله فوق ما يتصوره العقل .. فقد روى الإمام البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [الشهداء أربعة .. رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله تعالى حتى قتل، فذلك يرفع الناس أعنيهم إليه يوم القيامة، وذلك في الدرجة الأولى، ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن أتاه سهم غرب فقتله فذلك في الدرجة الثانية، ورجل مؤمن خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل مؤمن أسرف على نفسه لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة] .
ولقد حرم الله على الشهيد الموت .. فهو الوحيد الذي لا يذوق طعم الموت ولكنه حي عند ربه تنتقل روحه في ومضة من دار إلى دار. وقد قال الله تعالى مخاطبًا أمة الإسلام في شأن الشهيد قائلاً [ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموت بل أحياء ولكن لا تشعرون] .. وقال تعالى مخاطبًا نبيه في شأن الشهيد [ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون] ثم تستمر الآيات لتعلمنا أن الجبن والهلع ليسا من شأن هؤلاء العمالقة الذين كتب الله لهم الخلود والشرف والفخار وجعلهم تاجًا في جبين الأمة أبد الدهر. [الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] .
الاستشهاد يستعصي على أجهزة الرصد العالمية
د. علي عبد الباقي الأستاذ بجامعة القاهرة يرى أن الاستشهاد في فلسطين المحتلة يستعصي على كل أجهزة الرصد العالمية التي تحاول تفسير من أين تأتي هذه القوة الهائلة؟ تلك القوة التي تنبعث فجأة في زاوية محددة من زوايا العالم العربي الواسع. إننا عندما نؤرخ لهذه الفترة من تاريخ الأمة العربية ستكون المعجزة في أكبر معانيها متمثلة في أن الأمة التي استسلمت مراكز القوة الكبرى فيها وتم تركيعها وظن العدو أنه قد نزع سلاح تلك القوة الكبرى وظن أنه لا يمكن أن تنبعث مقاومة من الجناح الأضعف. لكن مع ميلاد الشهيد يحيي عياش ومحمد الدرة كان رداً على اتفاقيات كامب ديفيد. لقد كانت هذه الأمة على قدر مع الله لتعلن أن راياتها لن تسقط وأن رسالتها لن تنتهي، حتى ولو ظن الناس الظن الذي سجله القرآن وهو ظن الاستيئاس [حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين] . والشهيدة آيات الأخرس وأخواتها ظاهرة تستحق الدراسة .. والدراسة المنصفة لها لا تكون إلا من خلال كتاب الله فهو الذي يزنها ويقدرها قدرها. هذه المجموعة فتح الله عليها وجعلها نبراساً لهذه الأمة وأملاً لها يهديها طريقها ويعيد إليها الثقة في نفسها.