أما النبي-صلى الله عليه وسلم-فقد كان جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم،ويُضاحك نساءه حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها-يتودد إليها بذلك، قالت سابقني رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فسبقني، فقال: (هذه بتلك) 10 ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فيأكل معهن ، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في لحاف واحد،وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤنسهم بذلك-صلى الله عليه وسلم-فعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: كان أحسن الناس حلقاً، لم يكنْ فاحِشاً, ولا مُتفحِّشاً, ولا سَخَّاباً في الأسواقِ,ولا يجزي بالسيئةِ مثلَها،ولكن يعفو ويغفر11.
وعن عمرة,قالت: سألتُ عائشةَ عن خُلُقِ رسولِ اللهِ-صلى الله عليه وسلم-إذا خَلَا مع نسائِهِ؟ قالت: كانَ كالرجل من رجالكم، إلا أنه كان أكرم الناس، وأحسن الناس خلقاً, وألين الناس وأكرمهم ، ضحَّاكاً بسَّام12.
وجعل النبي-صلى الله عليه وسلم-يوصي بالنساء فيقول: (الصلاة الصلاة،وما ملكت أيمانكم,لا تكلفوهم ما لا يطيقون.الله الله في النساء؛فإنهن عوان في أيديكم-يعني أسراء- أخذتموهن بأمانة الله,واستحللتم فروجهن بكلمة الله) 13.فما أحوجنا إلى أن نقتديَ برسول الله-صلى الله عليه وسلم-في معاشرتنا لأهلنا,وخاصة في زماننا الذي ساءتْ فيه الأخلاقُ, وفسدت فيه العشرة،فالإقتداء بالرسولِ-صلى الله عليه وسلم-أمر الله-تعالى-به في كتابه فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} سورة الأحزاب: 21.
أيها المسلمون: إن من حسن المعاملة والعشرة مع الزوجة، أن يكون الصبر والتحمل من أخلاق الرجل، فهو أقوى من المرأة تحملاً، والمرأة ضعيفة، وقد يكون منها الخطأ، لكن تحمّلُ الرجل وصبره هو المطلوب منه، فإنه القيّم عليها، وما دام القيم فلابد من صبر وتحمل، فيقول النبي-عليه الصلاة والسلام-: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) 14، لا يبغضها ويكرهها فإن أخلاقها قد يكون فيها خلق سيء، لكنها تشتمل على خلق طيب، وهكذا حال الإنسان، فالكمال في المخلوق غير ممكن، لا من الرجل ولا من المرأة، فإن كرهت منها خلقاً من الأخلاق فلابد أن ترتضي منها خلقاً غيره، وأما إذا كنت تعاتب على كل نقص، وتريد الكمال في كل الأحوال، فذاك طلب المستحيل، ومن كثر عتابه قلّ أصحابه.
إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلقى الذي لا تعاتبه
واعلم -عبد الله-: أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها، إقتداءً برسول الله-صلى الله عليه وسلم-,فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام، وتهجره الواحدةُ منهن يوماً إلى الليل15.
فيبين ذلك بوضوح جلي فيقول فيما ترويه عائشة-رضي الله عنها-: (خيركم خيركم لأهله) ثم قال: (وأنا خيركم لأهلي) ,فمحمد خير الناس لأهله،صبراً وتحملاً وإكراماً,ومعاملة بالحسنى، آلى شهراً منهن لما حصل منهن ما حصل، ومع هذا كان يعاملهن بالحسنى، وتخبر عائشة لما سئلت: ماذا كان يفعل في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله"16، فهو من أحسن الناس خلقاً،وأحسنهم تعاملاً -صلوات الله وسلامه عليه- أبداً دائماً إلى يوم الدين. فاتقوا الله عباد الله في النساء، فأحسنوا عشرتهن، وأدوا حقوقهن، واستوصوا بهن خيراً."
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً،والصلاة والسلام على من جعله ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
أما بعد: