الدعوة -أيها المسلمون عباد الله- سال في طريقها تلك الدماء الزكيّة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بالتاجر الحصيف الذي لا تُثنيه الخسارة عن مُواصلة التجارة, في طريق الدعوة خسائر.. في طريق الدعوة مصائب.. في طريق الدعوة عقبات وأشواك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلّمنا أنْ نسترخص ذلك كلّه, ثم بعد ذلك -أيها المسلمون عباد الله- هذه الأحداث كلّها, ينبغي أنْ نستفيد منها لحاضرنا, العهدُ مع المشركين لا يُؤْمَن, الوعد مع المشركين لا يُضْمن, هؤلاء لا يَرقبون في مؤمن إلا ولا ذِمّة, لا يرجون لله وقاراً, ولا يُعظمون لله أمراً, بعد هذا كله, بعد سنواتٍ خمسٍ, بعد هذا الغدر, يأتي ذلك الرجل عامر بن الطفيل الذي جيء له بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينظر فيه ولم يأبه به, بل قتل حامل الكتاب غيلة وغدراً بعد هذه السنوات الخمس في عام الوُفود يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل عليه ويقول له:"خالِني يا محمد", أي دعني أخلو بك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( والله لا أفعل حتى تُؤمِن بالله ورسوله ) ), إذا شهدت شهادة الحق وكنت مِن أهل الإسلام, أخلو بك.. لا مانع.. لأنّ هناك قيمًا وأخلاقًا وتعاليم ستضبط تصرفاتك وسلوكك, أما الآن فلا أفعل, فما زال الرجل يطلب خالني يا محمد فيقول له النبي: (( والله لا أفعل ) ), فقال له:"يا محمد لأعرِضنّ عليك ثلاثة خصال, الأولى: أبايعك على أنْ يكون لك أهل الحضر وليَ أهل الوَبر"، أبايعك على أن يكون أهل الحضر لك تحت قيادتك, وأهل الوبر -أهل البادية- تحت قيادتي أنا.. هكذا.. إسلام طَمَع, ما أسلم يُريد وجه الله, ما يُسلم مِن أجل الآخرة، وإنما مِن أجل الزعامة.. مِن أجل القيادة.. مِن أجل الرئاسة.. مِن أجل التسلط على رقاب الناس؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا أفعل, هاتِ الثانية ) )، قال:"الثانية: أبايعُك على أن يكون لي الأمر مِن بعدِك"، أكون أنا الخليفة بعدك؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا أفعل ) )، لِمَ؟ لأنّ قانون القرآن (ولقد كتبنا في الزبور مِن بعد الذّكر أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون) ، مَنْ أنت؟ ما دينك؟ ما صلاحك؟ ما عملك؟ ما بلاؤك؟ ما جهادُك؟ ما بَذْلُك؟ لا شئ من هذا كلّه, فلمَ يكون لك الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (( هاتِ الثالثة ) ), قال له:"أما الثالثة, والله لأملأنها عليك خيلا جُرداً, ورجالاً مُردًا"، لأملأنّ عليك هذه البطحاء, لأملأنّ عليك الأرض, برجال مقاتلين أشداء, وخيلٍ كثيرة, حتى أستأصل شأفتك. ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل أمر بالقبض عليه؟ هل أمر صلى الله عليه وسلم بقتله؟ لا والله كان عليه الصلاة والسلام يُقدر المصالح والمفاسد قال عليه الصلاة والسلام: (( اللهم اكفني عامر بن الطفيل ) ), خرج هذا الخبيث عدو الله خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار في الطريق راجعًا إلى قومه فابتلاه الله عز وجل في عنقه بغدةٍ، تورّمت رقبته، ثم بعد ذلك اشتد عليه الألم فأوى إلى بيت امرأةٍ من بني سلول، وما زال الألم يشتدّ عليه، وقد انقطع رجاءه في الله وعظم كفره بالله, فأخذ يقول يندب حظه:"غُدةٌ كغدة البعير, وميتةٌ في بيت سلولية!", ثم خرج لعنه الله راكبًا فرسه, من شدة الضيق والضجر, والألم والمرض, وما زال يدور على فرسه, حتى خرّ ميّتاً, وكان جسده طعامًا للطير والسباع, (جزاءًا وفاقاً. إنهم كانوا لا يرجون حساباً. وكذّبوا بآياتنا كِذاباً. وكلّ شئٍ أحصيناه كتاباً. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً) ، هذا جزاءُ مَن عادى الله ورسوله, هذا جزاءُ مَنْ نقض العهد ولم يفِ بالوعد, هذا جزاءُ مَنْ أراد الدنيا بعمل الآخرة, هذا جزاءُ مَنْ لم يقدُر الله حقَّ قدره.
أيها المسلمون عباد الله! هذه دروسٌ في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحوجنا إليها في أيّامنا هذه, ما أعظم حاجتنا إلى النظر فيها, والتأمل في أخبارها, لنستفيد لحاضرنا ومستقبلنا.