لا قدرة لكم على المواجهة ، ولا أمل لكم في القدرة على المغالبة إلا بالاستمداد من الله .. إلا باتباع هدي رسول الله .. إلا بالعمل على سنة الله .. إلا بالتحقق والتحقيق لوعد الله ؛ وإلا فإن أعمالكم هباء ، وإن جهودكم ليس فيها غناء ، وإن أقوالكم حججٌ عليكم وليست لكم !
كم سمعنا من الأقوال ؟ كم سمعنا من البيانات ؟ كم رأينا من المؤتمرات تأتلف أو لا تأتلف تجتمع أو لا تجتمع كلها لا قيمة لها ؛ لأنها ليست على منهج الله .
ثم يخبرنا الحق جل وعلا: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } .
ومرةً أخرى يلتفت الحق - جلّ وعلا - في آياته إلينا: { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }
استمعوا إلى هذه النداءات القرآنية ، والتوجيهات الربانية .. { سيحبط أعمالهم } ، قال السعدي:"أي مساعيهم التي بذلوها في نصر الباطل ، بأن لا تثمر لهم إلا الخيبة والخسران"، ألم يقولوا في كثيرٍ من مواجهاتهم إنها أوقاتٌ قصيرة ، وإنها معارك هزيلة ، ما زال الحر من نارها ، والشرر من رجالها يحرقهم ، يقذف الرعب في قلوبهم ، يفرق صفوفهم ، وسيحبط الله - جل وعلا - أعمالهم فلا تهنوا .
قال ابن كثيرٍ:"أي لا تضعفوا عن الأعداء { وتدعوا إلى السلم } أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعدتكم".
قال السعدي:"أي لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد، طلبا لمرضاة ربكم، ونصحا للإسلام، وإغضابا للشيطان ."
ولا تدعوا إلى المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم، طلبا للراحة، والحال أنكم الأعلون"."
ثم ذكر الله عز وجل أموراً ثلاثة من تحقق بها لا يخشى قوى الأرض مجتمعة ، ولا يتراجع قيد أنملةٍ إلى الوراء ، ولا يستطيع أحدٌ أن يوصل إلى قلبه خوف ، أو إلى نفسه يأس .
{ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } بالاستعلاء بالإيمان ومنهج الإسلام ، وأنتم الأعلون بما توفرون من أسباب القوة والقدرة على مواجهة أعدائكم ، والله معكم { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } ، { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } .
ألم يقع ذلك في بدر ؟ ألم يحصل مثله في الأحزاب ؟ ألم نره عبر تاريخ أمة الإسلام في كل المواقع والمعارك والمواجهات ؟ هل صار المسلمين اليوم في شكٍ من دينهم ، وفي ضعف إيمانٍ بآيات ربهم ، والآيات كثيرة في كل من يصد عن دين الله ، ويحارب دين الله .
{والله معكم ولن يتركم أعمالكم } لن ينقص أجوركم وثوابكم ، حتى وإن لم تتحقق النتائج على أيديكم ، { ولن يتركم أعمالكم } أي لن يجعلها حابطةً كغيرها ، بل ستثمر اليوم أو غداً أو بعد غدٍ ؛ لأن الله - عز وجل - وعد كل عاملٍ بالخير ومحققٍ لوعده أن ينجز له سبحانه وتعالى ما وعده .
{ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ }
ما كان لأولئك من قوةٍ إلا بسبب ضعفنا ، أولئك لا يعجزون الله وقدرته وقوته سبحانه وتعالى ، وهو الذي أمره بين الكاف والنون ،إذا قال للشيء كن فيكون .
ونحن نعلم كذلك أن هذه الوعود الربانية لا تخلف أبداً { ما كان لهم من دون الله من أولياء } مهما جاءوا بقوى من هنا أو هناك ، وحلفاءٍ من شرقٍ أو غرب ، فلن يثبت ولن يقف أمام قوة الله ولا أمام قوة المؤمنين بوعد الله قوةٌ مهما عظمت ، فثقوا بدين الله ، واعلموا أن كل ما يواجهوننا به إنما يتحقق فيما أثره لما أخللنا به من منهج الله عز وجل ، وتخلينا به من الاستمساك بدينه سبحانه وتعالى .
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }
آياتٌ قاطعة ، كلماتٌ بالحق ناطقة ،ولكنها لا تكون إلا بأسبابنا وإلا بتخلينا عن نهج ربنا ، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }