فهرس الكتاب

الصفحة 5025 من 9994

والآيات تخبرنا بصيغة المضارع المتحقق الوقوع ، قال ابن عطية في معنى [ الكبت والمكبوت ] :"يكون حزنان ؛ لأنه يرى ما يكره ولا يقدر على رده ، سيأتيهم اليوم الذي يذوقون فيه مثلما يفعلون من هذه الجرائم ، وهم لا يملكون دفعاً ولا نصراً بإذنه سبحانه وتعالى".

تلك هي الوعود الربانية ، والتهديدات الإلهية ، ونحن عندما نوقن بذلك نعلم أننا لا نحتاج إلى تنديد أهل الأرض ، وإلى تهديد القوى الفارضة التي لا تقوم ولا تنطلق من قاعدة الإيمان بالله ، ولا ترتبط بمنهج الإسلام ، ولئن كان ذلك غيضٌ من فيض آياتٍ كثيرة ، ومواقف وقصصٍ عظيمة ذكرت في كتاب الله ؛ فإن لنا كذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنديده وتهديده لصورٍ كثيرة ليست في أعداء الله ، بل هي فينا معاشر المسلمين ، من الذين لهم الصدارة في أمتنا - ولاةً وحكاماً وقادةً - إلى من دونهم من كل من له ولاية ، ومن في يده سلطة وغير ذلك من وجوهٍ لا يكاد يخرج عنها أحدٌ منا بحالٍ من الأحوال ، وحينئذٍ نقولها ونحن بقلوب ثابتة ، وبصوتٍ عالٍ ؛ لأن الناطق بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، وهل يستطيع أحدٌ مهما علا وعظم أن يرد قوله عليه الصلاة والسلام ، أو أن يستهين بتهديده ووعيده وهو صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى { إن هو إلا وحيٌ يوحى } ؟

هذا حديث أنس رضي الله عنه يخبر في أوله عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأئمة من قريش ، وأن له عليه الصلاة والسلام حق ، وأن لهم حقاً كذلك ، ثم يقول عليه الصلاة والسلام في شأنهم - أي شأن الأئمة -: (ما حكموا فعدلوا،وما عاهدوا فوفوا،وما استرحموا فرحموا،فمن لم يفعل ذلك منهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) .

رواه أحمد في مسنده بسندٍ جيدٍ ورجاله ثقات ورواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه .

وفي حديث أبي هريرة يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( ما من أمير عشرةٍ إلا يؤتى به مغلول يوم القيامة حتى يفكه العدل أو يبقيه الجور ) رواه البزار في مسنده ورجاله رجال الصحيح .

( ما من أمير عشرةٍ ) فكيف بأمير الملايين المتولي أمرهم باسم الله ، وبا ادعاء القيام بأمر الله ، والذبّ عن شريعة الله ، والحفظ لحقوق ؟!

عباد الله:

أفلا يرعوي كل من يسمع ذلك ! أفليس في هذا أعظم تهديد تنخلع قلوب من في قلوبهم ذرة إيمانٍ أو بقية أثرٍ من إسلام ! إن الأمر أعظم مما نتخيله ونتصوره .

وهذا دعاءٌ من رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ودعاءه مجاب ، تروي هذا الدعاء عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيء فرفق بهم فارفق به ) رواه مسلمٌ في صحيحه .

إلى الذين يشقون عن عباد الله ، ويتعنتون معهم ، ويسرفون في تعذيبهم وإيذائهم ، وإلحاق الضر والشر بهم على كل مستوياتهم المختلفة وفي كل مسؤولياتهم المتنوعة ، فليعلموا أن الله عز وجل يجازيهم من جنس عملهم ، وأنه يلحق بهم عاجلاً أو آجلاً مثلما فعلوا بغيرهم ، ومن لم يجد شيئاً في الدنيا من مثل هذا ؛ فإنما ذلك والعياذ بالله دليلٌ على عظمة سخط الله عليه ، وأنه ادخر له العذاب فلم يعجله له في الدنيا فجعله له وسيجعله له مضاعفاً في الآخرة .

ومعقل بن يسارٍ رضي الله عنه يروي الحديث الذي يسمعه ولا يحفظه كثيرٌ من الناس: ( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌ رعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .

وفي الرواية الأخرى: ( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً فلم يحطها بنصحه ، إلا لم يرح رائحة الجنة ) متفقٌ عليه .

أفلا يستمع إلى ذلك قادة الأمة وحكامها ؟ وأحوال أمتنا في أكثر بلادها تستحق أن ينطبق عليها مثل هذه الأحاديث التي قالها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، أفيخشون من أمريكا أو غير أمريكا ولا يخشون من الله عز وجل ؟ أفيرضون أن يعملوا قوتهم وقدرتهم في سخط الله عز وجل ، ويخشون أن يفعلوا أقلّ القليل مما يظن أنه يسخط أعداء الله ؟ أفلم يسمع الناس جميعاً حديث أم المؤمنين عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من ابتغى رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ، ومن ابتغى سخط الله برضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) ؟

إن الأحوال لا تقتصر على من بيده الأمر أو الحكم أو السلطان ! بل تعمّ كل أحدٍ في مسئوليته حتى تعمّ الفرد الذي ليس له مسؤوليةٍ عن غيره ؛ لأن له مسؤوليةً عن نفسه .

ولذلك استمعوا إلى هذا أيضاً الحديث وما فيه من التهديد والوعيد: ( صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمامٌ ظلومٌ غاشمٌ وكل غالٍ مارق ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ورجاله ثقات .

( كل ضالٍ مارق ) كم فينا نحن معاشر المسلمين من يصدق فيه ذلك !

وهكذا كلنا يعلم أن الظلم منه ما هو يسيرٌ ومنه ما هو ، ومنه ما هو حدود الدائرة ، ومنه ما هو واسع ، والنصوص كلها تتناول ذلك قليلاً كان أو كثيراً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت