عن أبي موسى رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليمٌ شديد } ) .
من يستطيع أن يفلت من قبضة وغبضة الله - جل وعلا - إذا ظلم ، وقد حرم الله الظلم وإذا بغى ، وقد وعد الله عز وجل أن ينتصر لمن بُغيَ عليه ، كل من يظلم حتى من يظلموا زوجته أو من يظلم الموظف الذي تحته فضلاً عمن يظلم رعيته ..
وهكذا نرى الصور المختلفة التي تمضي بنا إلى تفصيلٍ وتحديد ، وتصور لنا الواقع كأنما هذه الأحاديث - وهي التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم - تخترق حجب الغيب ، وتتجاوز آفاق الزمان ؛ لتكون في كل وقتٍ وآنٍ ، تكشفٌ للناس ولعموم المسلمين خصوصاً كيف يعرفون واقعهم ؟ وكيف يعرفون أين يضعون موطئ أقدامهم قبل أن تزل الأقدام ، وقبل أن يحصل لهم ما لا يرجونه من السخط والغضب الرباني .
عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدقٍ ، إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، وإذا أراد الله به غير ذلك ، جعل له وزير سوءٍ ، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه ) ، وهذا واقع حال كثيرٍ من أوضاع أمتنا .
وهذا هشام بن حكيم يروي أنه مرّ في بلاد الشام ، ورأى بعض الأنباط من غير المسلمين وهم في حرّ الشمس ، ويوضع عليهم شيء من الزيت عقاباً لهم ؛ لأنهم لم يؤدوا الجزية -، وربما كان ذلك عن غير إمكان - فقال: أشهد الله أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ) رواه مسلمٌ في صحيحه .
فليخشى الذين يعذبون عباد الله ، والدعاة إلى دين الله ، والعلماء الناطقين بالحق ، المبينين لشرع الله وليخشى كل من يظلم أحداً دونه في القوة ؛ فإنه ما من شيءٍ إلا وله عقوبته دنيا أو أخرى ، نسأل الله عز وجل السلامة من ذلك .
بل قد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من ضرب بسوط ظلما ، اقتص منه يوم القيامة ) ، ولو في سوطٍ واحدٍ فكيف بما هو أعظم من ذلك ؟!
أيها الأخوة المؤمنون:
إن الأحوال التي تجري ينبغي أن تزيدنا يقيناً بوعد الله عز وجل ، وبصيرةً في سنن الله سبحانه وتعالى ، وينبغي أن تردنا بقوةٍ أكثر إلى دين الله وشرعه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وينبغي أن تدعونا إلى التشبث والاعتزاز والاستعلاء بدين الله ، وينبغي في آخر الأمر أن تكشف لنا حقائق أعداء الله ، وأن تبين قوتهم الدنيوية على حقيقتها شيئاً لا يعبئ به ولا يخشى منه من كان مع الله { والله معكم ولن يتركم أعمالكم } .
أسأل الله عز وجل أن يكشف الغمة ، وأن يرفع البلاء عن الأمة ، وأن يعيدنا ويردنا إلى دينه رداً جميلا ، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فهي أعظم زادٍ يقدم به العبد على مولاه ، وإن من تقوى الله بغض أعداء الله وعدم الذلة لهم ، وفي الوقت نفسه الانتصار لعباد الله والموالاة لهم ، وبذل ما في الوسع لنصرتهم - ولو بما يستطاع من أقل القليل - فإن التهديد والوعيد قد تناول ذلك أيضاً ، كما جاء في حديث جابرٍ وأبي طلحه رضي الله عنهما ن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلمٍ يخذل مسلماً في موضعٍ تنتهك فيه حرمته ، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطنٍ يحب فيه نصرته ، وما من امرءٍ ينصر مسلماً في موضعٍ ينتقص فيه من عرضه ، وينتهك فيه من حرمته ، إلا نصره الله في موطنٍ يحب فيه نصرته ) رواه أبو داود في سننه والطبراني بإسنادٍ حسن .
وقد رأينا الأحداث كثيرةً مستمرةً في أرض فلسطين وفي العراق ، ورأينا الأحداث الأخيرة التي فيها أعظم بغيٍ وظلم ، فأين الذين عندهم الأموال والقوات والجيوش والمؤتمرات ؟ أين هم من نصرةٍ ولو بكلمة ! من نصرة ولو بإعانة ! من نصرةٍ ولو بإدانة ! وأين بقية المسلمين من حزنٍ يعتصر قلوبهم وكثيرٌ منهم يضحك ملء شدقيه ، ويأكل ملْ مضغيه ، وينام ملء جفنيه ، وكأن شيئاً لم يكن ؟! وكأن حزناً لم يخالط قلبه ؟! وكأن كرباً لم يقع له ؟!
إنها نصوصٌ عظيمة ، وتهديداتٌ خطيرة ، وليس لأولئك إلا الله نسأل الله عز وجل أن يثبتهم ، وأن يفرّج عنهم ، وأن يعينهم .