فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
في صحيح البخاري ما يخبرنا به النبي - عليه الصلاة والسلام -عن أول نزول الوحي، عن اللحظة التي اتصلت فيها الأرض بالسماء ،عن أول شعاعٍ لتبديد الظَلْماء .
يخبرنا النبي - عليه الصلاة والسلام - أن جبريل جاءه وهو في غار حراء ، حيث كان يخلوا بنفسه يتأمل في ملكوت الله - جلَّ وعلا - حيث كان يخلوا بنفسه ، يتحنَّث الليالي ذوات العدد ، كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - فجاءه جبريل - عليه الصلاة والسلام - فقال له:"اقرأ"فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما أنا بقارئ - أي لا أعرف القراءة -قال: فأخذني فضمني فَغطَني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني أي أطلقني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني ثانيةً حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال لي اقرأ قلت ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم * الذي علَّم بالقلم * علم الإنسان مالم يعلم } .
فكان إشراق النور القرآني الرباني ،من كلام الله - سبحانه وتعالى - وهذا النزول الأول يدل على عظمة ما في هذا القرآن من رسالة ، وعلى عظمة ما فيه من دستور ، وعلى عظمة ما فيه من آدابٍ وأحكامٍ وتعليماتٍ وإرشادات ، ولذلك نزل على هذه الصورة من الشدة والقوة حتى يتهيأ قلب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لحمل هذا الكلام الرباني العظيم .. لحمل هذه الرسالة الخالدة التي يخالف بها الخلق أجمعين ، والتي يواجه بها جميعاً الكفار والمعتدين ، هكذا كان كما قال الله -عز وجل -: { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } فليس أمر القرآن هيناً سهلاً حتى نتهاون فيه .
هكذا بذرت البذرة الأولى في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَن قَدَح في قلبه التعلق بالقرآن فإذا به من شدة لهفته ، ومن عظيم حرصه عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه الوحي ، ونزل عليه جبريل بالقرآن يسابق الوحي بتَرداد الآيات رغبةً في حفظه وضبطه ، وتعلقاً به من أعماق قلبه ، حتى نزل قوله -جل وعلا: { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتفي بذلك التلَقِّي ، وإنما كان ينشر هذا القرآن فيتلوه في الصلوات ، ويعلمه للصحابة ، كما قال ابن مسعودٍ - رضي الله عنه -"حفظت من فم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين سورةً من القرآن".
النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - قائد الأمة والذي كانت عنده المهمات العظيمة . كان يجعل من وقته جزءاً يعلم فيه أصحابه كتاب الله - جل وعلا - ثم إن تعلقه العظيم بهذا القرآن لم يقتصر فيه على هذا ، وإنما كان يحب أن يستمع القرآن، لقد امتلاء به قلبه ونطق به لسانه فأراد أن يشنِّف به آذانه - عليه الصلاة والسلام - .
روى أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه وقال له: ( لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ) كان يأتي وينصت إلى قراءة أبي موسى ، لأنه كان حسن الصوت ، جيد التلاوة . وفي بعض الروايات قال أبو موسى:"أما إني لو علمت أنك تسمعني لحبَّرته لك تحبيرا"- أي لزدت في الإتقان وفي حسن الصوت وجمال التلاوة - .
ثم هاهو النبي - صلى الله عليه وسلم - يلقى ابن مسعود فيقول له: ( اقرأ عليَّ القرآن ) فيقول: أقرأ عليك وعليك أُنزل يا رسول الله ؟ قال: (نعم فإني أحب أن أسمعه من غيري ) فقرأ عليه ابن مسعود من أول النساء حتى إذا بلغ قول الحق - جل وعلا- { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذٍ يودُ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } قال ابن مسعود: فقال لي: ( حسبك .. حسبك ) فنظرت فإذا عيناه - صلى الله عليه وسلم - تذرفان بالدموع . وفي حديثٍ آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي أبيَّ ابن كعبٍ فقال له: إني أمرت أن أقرأ عليك قل يا أيها الكافرون . قال أو قد سمَّاني الله لك . قال: نعم فبكى أبيّ ابن كعب من هذه الفضيلة العظيمة ، وهذا الشرف العظيم الذي كان له بفضل الله - جل وعلا - ثم بفضل ما حمل من القرآن وأتقن منه .
هكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -متعلقاً في التلقي ، يعلِّم أصحابه .. يسمع منهم ، يتدارسه معهم ، يحيي به هذه الحياة كلها. ثم إن النبي - عليه الصلاة والسلام - ربط أصحابه والأمة من بعدهم بهذا القرآن ربطاً وثيقاً قويا، حتى لا تنفصم عرى صلتهم به ، وحتى لا يضعف تلقِّيهم له ، فلذلك جعل الخيرية المطلقة في هذه الأمة مرتبطةً بكتاب الله - عز وجل- كما في صحيح البخاري من حديث عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه ) .