فهرس الكتاب

الصفحة 5105 من 9994

خير هذه الأمة من كان مشتغلاً بالقرآن، وإن كان عظيما، وإن كان ذا جاهٍ أو سلطان ، فسنذكر من سيرة الأصحاب - رضوان الله عليهم - أن شرف هذه الخيرية ما شغلهم عنه شاغل، ولا صرفهم عنه صارف ، وإن قادوا الجيوش، وإن حكموا الديار والبلاد فإن ارتباطهم بالقرآن ، وحرصهم على هذه الفضيلة العظيمة ، ما قعد بهم عنها شيءٌ مطلقا، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل التقديم في أعظم أمرٍ من أمور هذا الدين مرتبطاً بالقرآن العظيم، أعظم ركنٍ بعد الشهادتين ركن إقام الصلاة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ) ولذلك جُعلت هذه الفضيلة شرفاً، وجُعلت خصيصةً ، وجُعلت حكماً فقهياً يُقدَّم به الأولى في حفظ كتاب الله - جل وعلا - حتى ترتبط الأمة بكل ما يتعلق به الأجر والثواب ، وكل ما يتعلق به الشرف في هذه الحياة الدنيا بالنسبة لهذا الدين، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم- ربط الأمر في أعظم أمور الدنيا وهي أمور الولايات أيضا بالقرآن وفَهمه وتلقِّيه .

ورد في صحيح مسلم أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه- لقي أميره أو واليه على مكة في موسم الحج فقال: من خلَّفت على أهل مكة ؟ قال: خلَّفتُ فيهم ابن أبزا . قال: ومن ابن أبزا هذا؟ قال: مولى من موالينا- أي كان أصله من العبيد والرقيق - فقال عمر - رضي الله عنه -: خلَّفت على أمر مكة مولى - أي ما وجدت غيره كأنه لم يرضى ذلك أول الأمر - فقال له: يا أمير المؤمنين إنه ... وبدأ يسرد له قائمة المؤهِلات والشهادات ، فلم يذكر إلاَّ شيئاً واحدا أنه قارئٌ لكتاب الله تعالى . فقال عمر - مؤيِداً ومؤكداً ومدللاً على صحة هذا النهج -: أما إني سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم- يقول: ( إن هذا الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين ) .

فالرفعة في الحياة الدنيا، والرفعة في أمور الدين مرتبطة بهذا القرآن العظيم .

ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم- في أمور الحياة العادية التي مرَّت به بين أصحابه بيَّن لهم الفضيلة والعظمة في هذا القرآن، ففي الحياة الاجتماعية يأتينا المثل الذي ورد في الصحيحين وغيرهما عن المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم- ليتزوجها والنبي جالسٌ في بعض أصحابه ، ولم يكن للنبي - عليه الصلاة والسلام - بها حاجة فظلَّت المرأة واقفة والنبي - صلى الله عليه وسلم- ساكتٌ .ثم قام رجلٌ من الناس وقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فقال - عليه الصلاة والسلام -: التمس شيئاً - يعني تقدِّمه مهراً لهذه المرأة - فذهب فقال: يا رسول الله لا أجد شيئاً فقال له - عليه الصلاة والسلام -: التمس ولو خاتماً من حديد قال: يا رسول الله ولا خاتماً من حديد - ليس عنده شيءٌ - أبدا فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى انصرف الرجل ثم قال: ردُّوه عليَّ فقال: هل معك شيءٌ من القرآن قال: نعم معي سورة كذا وكذا . فقال -عليه الصلاة والسلام-: زوجتكها على ما معك من القرآن . فكان مهرها أن يعلمها كتاب الله - جل وعلا -.

وحتى عند الوفاة والموت كان النبي يعلِّم الأمة التقديم بهذا القرآن فقد ورد أنه - عليه الصلاة والسلام -عندما انجلت معركة أحد وجاء يدفن شهداء الصحابة، كان يضع الرجلين والثلاثة في القبر الواحد . فإذا جيء بهم سأل: أيهم كان أقرأ للقرآن؟ فإذا دُلَّ عليه قدَّمه في اللحد والقبر، ليُعلِّم الأمة ويربطها بهذا القرآن وفضيلته وشرفه .فأي شيءٍ انعكس على الصحابة حينئذٍ ! وأي أمرٍ ظهر في حياتهم من أثر القدوة في سيرته - عليه الصلاة والسلام - ومن أثر هذه التوجيهات التي تشدُّ القلوب ، وتربطها بالقرآن، وتجعل مسيرة الحياة كلها تبعٌ لهذا القرآن.

انظر إلى صحب محمد - صلى الله عليه وسلم- كيف كانت صلتهم به في ملامح سريعة، وفي ومضات قليلة، هذا عبد الرحمن السُلَمي يحكي سيرة الأصحاب - رضوان الله عليهم - يقول: كان الذين يعلموننا القرآن من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل فتعلَّمنا العلم والعمل جميعا .

هذه المنهجية التي تربَّى عليها الأصحاب الكرام، والتي نقلوها للتابعين من بعدهم آياتٌ تُتلى ، وتفسيرٌ يُروى ، وعملٌ يُحكى في واقع الحياة . هكذا كانوا ولذلك يقول أنس - رضي الله عنه -: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جدَّ في أعيننا - أي صار في أعيننا عظيماً شريفاً- لا لجاهٍ ولا لمالٍ ولا لسلطانٍ وإنما بما يجمع من كتاب الله عز وجل بما يتقدَّم في هذا الشرف العظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت