ولذلك أيضاً كان من سيرة الصحابة أنهم طبَّقوا هذا المنهج ، فهذا أبو موسى الأشعري أحد كبار الولاة الذين ولاَّهم عمر - رضي الله عنه - على البصرة وفي بلاد العراق . يروي عنه أصحابه وهو أميرٌ يمارس الحكم والقضاء بين الناس أنه كان يجلس في مسجد المدينة يُقرأ القرآن أربعين سنة، أربعون سنة والحاكم معلِّمٌ لكتاب الله عز وجل ! أربعون سنة والصحابي الجليل ما نسي قولة النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( إنك أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ) . ما شغلهم عن ذلك شاغل، ولذلك كانوا وقَّافين عند حدود الله عز وجل فهذا عيينة ابن حِسنٍ الفزاري يأتي إلى ابن أخيه الحُرِ بن قيس ويقول له: إن لك عند هذا الرجل - أي عمر- رضي الله عنه مكاناً فاستأذن لي عليه ، فيستأذن له على عمر وكان عيينة شديداً جافياً غليظا فدخل على عمر وقال هيه يا ابن الخطَّاب والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، كلماتٍ قاسية جافية مُباعدةٍ للحق، فغضب عمر - رضي الله عنه - وهمَّ أن يبطش به ، وحسبك ببطش عمر بطشا فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم- فقال: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وإن هذا من الجاهلين . قال الحر بن قيس: فوا الله ما تجاوزها عمر - رضي الله عنه - وكان وقاَّفاً عند حدود كتاب الله -جل وعلا- هكذا كانت الآية تردُّهم عن الفعل الذي يُقدمون عليه وتنهضهم عن الفعل الذي يُقصِّرون فيه . كان القرآن يحدو حياتهم ويسيِّر مسيرتهم ولذلك انطلقوا بهذا القرآن أعظم انطلاق كما ورد في الحديث عن البراء - رضي الله عنه - أنه قال: - لنرى كيف كانت قلوب الصحابة وتعلُّقهم بالقرآن - كان رجلٌ يقرأ سورة الكهف، وفرسه إلى جواره مربوطةٌ ، فلما قرأ القرآن نزلت سحابة فتغشته وأضلته - أي اقتربت منه - فجعل فَرَسُه ينفر منها فسكت ، ثم أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: ( تلك الملائكة تنزَّلت تستمع لقراءتك ) وفي غير الصحيح - أي في غير صحيح البخاري - أن هذا القارئ كان أسيد ابن حضير - رضي الله عنه - وأنه سكت فسكنت ، ثم قرأ فتحرَّكت ثم سكت فسكنت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( تلك الملائكة تنزلت تستمع لقراءتك ولو قرأت لأصبحت والناس يرونها في الطرقات ) . هكذا كان صحب النبي - صلى الله عليه وسلم- .
وانظر إلى الصور العظيمة ، التي تبين لك أن القرآن كان هو روح هذه الحياة في عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - هذا الخبر في صحيح البخاري عن الأشعريين قومِ أبي موسى - رضي الله عنه - قومِ الذي أوتي مزماراً من مزامير آل داود ، يخبر عنهم الراوي أنهم كانوا إذا نزلوا المدينة ، علم الناس الذين لم يرون قدومهم . قال: إني أعلم قدوم الأشعريين ومنازلهم بالمدينة ولمَّا أرهم، كيف يعرف أنهم جاءوا ولم يرهم ولم يسمع بذلك ؟ قال: كانوا يدوّوُن بالقرآن كدويِّ النحل في الليل . فعلامتهم التي يعرف الناس قدومهم بها إذا جاءوا من بلادهم اليمن ونزلوا المدينة ليلقوا النبي - صلى الله عليه وسلم- يعرف الناس قدومهم بهذه التلاوات التي يضجون بها في الليل يحيون بها ليلهم ويعبدون بها ربهم .
وجاء المبعوث من سعد ابن أبي وقَّاصٍ - رضي الله عنه - إلى عمر الفاروق يبشِّره بفتح القادسية وجاء له بخطابٍ من سعد يقول له -في شأن من استشهد من المسلمين-: مات فلانٌ وفلانٌ من الناس ممن لا تعلمهم ، والله بهم عالم كانوا يدوّوُن بالقرآن في الليل كدويِّ النحل، أين هذا ؟! في أوقات المعارك عند اهتدام القتال وعند تلاحم الصفوف !
كانت حياتهم بالقرآن واستعانتهم به بعد الله -جل وعلا - ليَنْشَطوا وليتذكروا كلام الله -جل وعلا - وكان قوَّاد جيوش المسلمين يجعلون لكل كتيبةٍ قارئا، فإذا حمي الوطيس كان يقرأ سورة الأنفال لتحيا معاني الإيمان في القلوب ولتشتدَّ الحمية لهذا الدين في النفوس .
هذه صورةٌ لِما كان عليه مجتمع الصحابة - رضوان الله عليهم - لنرى ما نحن فيه وما كانوا عليه ونٍسأل الله - عز وجل- أن يلحقنا بهم، وأن يجعلنا مقتدين على آثارهم ونسأله أن يجعلنا ممن يرتبطون بالقرآن تلاوةً وتدبراً وعملاً ودعوة إليه أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زادٍ يقبل به العبد على مولاه وأن منبع التقوى كتاب الله جل وعلا فتزودوا منه فإن خير الزاد التقوى .
لننظر - أيها الاخوة - في هذه الوقفة الوجيزة عن صلتنا وواقعنا مع كتاب ربنا في هذه الأوقات .