فهرس الكتاب

الصفحة 5107 من 9994

لننظر ما خاطبنا الله -عز وجل - به وما أمرنا به وكيف حالنا مع كتاب ربنا ، وإنها لفرصةٌ أن نتذاكر هذه المعاني في هذه الأوقات الفاضلة في شهر رمضان ، شهر القرآن لنؤكد هذه المعاني في واقع حياتنا العملية ، علَّها أن تكون عوناً لنا على أن نثبت عليها وأن نمضي في إثرها لا نرجع عنها ولا نتوقف فيها بإذن الله عزوجل .

هذا الأمر القرآني الرباني للرسول الكريم ولأمته من بعده { وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو القرآن } أول أمرٍ تلاوة هذا القرآن، وقد يقول بعض الناس إنهم لا يحسنون التلاوة فنقول إن الله -جل وعل-ا قال: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكر } ثم ما عليك - يا أخي - ألست تُفرِّغ جزءً من وقتك لعملك الذي تكسب به رزقك ؟ ألست تفرِّغ جزءً من وقتك لأهلك لتقضي حوائجهم ؟ ألست تفرِّغ جزءً من وقتك لأصحابك لتزورهم وتأنس بهم ؟ ألست تفرِّغ جزءً من وقتك لأشياء وأشياء وأشياء كثيرة ؟! أفتفريغ الوقت لتلاوة القرآن الكريم ولتعلمه يكون أهون عليك من كل هذه الأمور العارضة ؟ استمع إلى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي يرويه عقبة ابن عامر يقول فيه:جاء إلينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصفَّة - أهل الصفَّة الذين كانوا يلازمون مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم- وكانوا من الفقراء - فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يبين لهم الغنى ، وأن يدلهم على طريق الغنائم ، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( أيكم يحب أن يغدوا كل يومٍ إلى بُطحان - وهو واديٍ في طرف المدينة - أو العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين من غير إثمٍ ولا قطيعة رحم ) .

أيكم يحب أن يذهب مسافة قصيرة ويأخذ ناقتين سمينتين عظيمتين من غير إثم ؟ فلا هو سارق ولا قطيعة رحم . ليست لغيره ولا شيء وكانت الإبل هي رأس مال العرب مَن كانت تقدَّر ثرواتهم بعدد ما يملكون من الإبل، وهؤلاء فقراء ( أيكم يحب أن يغدوا إلى بُطحان أو العقيق فيأخذ ناقتين كوماوين من غير إثمٍ ولا قطيعة رحم ) قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله - من لا يحب هذا الثواب وهذه الغنائم - قال: ( فلأن يغدوا أحدكم إلى المسجد كل يومٍ فيتعلم آيتين من كتاب الله عز وجل خيرٌ له من ناقتين كوماوين وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث وأربعٌ خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل ) . انظر إلى هذا فكيف تضيع هذا الأجر وتفوِّت تحقيق الأمر الذي أُمرت به كما أُمر به النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو أمر تلاوة القرآن . هل تلقى في ذلك مشقَّة ؟هل تجد فيه صعوبة ؟ خذ بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة في الصحيح ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به - أي متقنٌ له - مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ) .

فأنت في غنيمة هنا أو هناك كيفما كان الحال، فينبغي أن تحرص على أن تؤدي هذا الأمر وهو أمر الصلة بكتاب الله عز وجل بتلاوة القرآن . واستمع الى الحديث الذي رواه الترمذي في سننه عن النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( من قرأ القرآن فله بكل حرفٍ يقرأه حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألف لام ميم حرف ولكن ألفٌ حرف ولامٌ حرف وميم حرف ) فأي آيةٍ تقرأها فعدَّ ما فيها من الحروف واحسب الحسنات وضاعفها إلى العشرات بل لا تحسب شياً فإن الله -عز وجل - يعطي عطاءً عظيماً.

والأمر الثاني يقول الله - جل وعلا - { وهذا كتاب أنزلنه مباركٌ ليدَّبَّروا آياته وليتذكَّر أولوا الألباب } فما نزل هذا القرآن لنهذَّ به هذَّاء الشعر ، كما قال ابن مسعود في صحيح مسلم:"لا تهذُّوا القرآن هذَّاء كهذِّ الشعر، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة"كما قد نفعل اليوم فنقرأ حتى تختلط الحروف ونسرع حتى ننتهي في أقلِّ وقت، كلا ! بل لا بدَّ أن يكون لنا حظٌ من التدبُّر فإن الله - جل وعلا - أنزل هذا الكتاب للتدبُّر ونعى على من لا يتدبَّرُ فيه فقال جل وعلا: { أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها } { أفلا يتدبَّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا } وبعد التدبُّر - الذي هو التفَّهم وإدراك المعاني ومعرفة الأحكام والوقوف على الآداب - يأتي الأمر الأهم وهو العمل بهذا القرآن ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داود في سننه: ( من قرأ القرآن وعمل بما فيه أُلبس والده تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيهم ) فما ظنُّكم بالذي عمل بهذا ! .

وأهل الله هم أهل القرآن الذي كانوا يعملون به في الدنيا كما ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- فإنما جاء هذا القرآن ليُطبَّق ولينفَّذ في واقع الحياة ، وكانت عائشة قد أوجزت إيجازاً بليغاً عظيماً عندما قالت عن النبي - صلى الله عليه وسلم-:"كان خلقه القرآن"كنت ترى القرآن في حياته كلها بألفاظه، وكلماته ، وأفعاله ، وجهاده ، ومعاملته لأهله ، وفي كل شيءٍ من الشؤون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت