أقول: أيها الإخوة الأحبة أليس هذا جديراً بأن يكون حديثنا أيضاً في رمضان ! أم أننا نتحدث عن عدد الركعات ، وأصوات الأئمة وحسن الدعاء ، وكأن عبادتنا ليست إلا في هذه الجوانب ، وكأن دور هذا الشهر ليس إلا في هذه الميادين ، وكأننا ننسى الحقائق وليس هذا هو المؤلم فحسب ! بل اليوم وخلال هذا العام نجد تغيراً كبيراً ؛ فالعمليات الاستشهادية أصبحت بنوع من شبه الإجماع انتحارية ! ومساعدة الذين هُدّمت بيوتهم ، أو قتل عائلهم هو تمويل للإرهاب ! والتعليم الإسلامي وتعليم أحكام الشريعة ضرب من التطرف والتشدد ! بل وحلقات القرآن وتحفيظه بؤر للإرهاب والعنف ! وسيروا وراء ذلك فإنكم ستجدون أن تغيراً كبيراً قد جرى في عامٍ ، وأصبحنا اليوم تمر علينا الأحداث ونسمعها كما يشرب أحدنا كأس ماء !
ألسنا بالأمس سمعنا واليوم سنسمع كم قتل في العراق ، وكم استشهد في فلسطين ، وكم حصل هنا وكم جرى هناك وكأن الأمر يمضي بل ونحن نكرس عكسه وضده في واقعنا .
وأنتقل بكم إلى صورة أخرى أرصدها خلال عام - ولست هنا دارساً ولا محللاً الواقع الإعلامي - قنوات أكثر ، وفجور أكبر ، وتطبيع أظهر وإلهاء .. ألسنا نرى ذلك ونتحدث به في مجالسنا ، ولكنه يسري في صفوفنا ويتسلل إلى بيوتنا ، ويؤثر في شبابنا وشاباتنا ، ويغير في كلماتنا ومصطلحاتنا ، لم نعد نسمع اليوم العدو الصهيوني وإنما أصبحنا نسمع ونرى ونشاهد من يتحدث من أولئك المغتصبين والمحتلين ، ويؤتى بهم على أنهم محللون أو أنهم كذا أو كذا إلى غير ذلك !
يموت المسلمون ولا نبالي *** ونهرف بالمكارم والفصال
ونحيى العمر أوتاراً وقصفاً *** ونحيى العمر في قيلٍ وقال
وننسى إخوة في الله ذرت به *** الكف الزمان على الرمال
ألسنا نرى القنوات ترقص وتغني ، ومن بعد لنشرة الأخبار الدبابات تقصف وتدمر ؟ ألسنا نرى الفوازير والمسابقات المخزية والمخجلة في بعض القنوات - بل ونحن نسمع ونرى من يطعن في كل هذه المعاني ؛ مروراً بتعليمنا الإسلامي وانتهاءاً بحجاب نسائنا وعفة بناتنا بلسانٍ عربي مبين - في قنواتنا الفضائية الكثيرة الشهيرة ؟
أليس ذلك جدير بأن يلفت نظرنا ؟ وأنتقل إلى واقع اجتماعي في قضية المرأة تبرجاً واختلاطاً مصحوب بتبرير وتشريع تشريع قانوني ، أو تشريع من فتاوى وأقاويل باطلة ! وفي الأسرة تفكك وانحلال ، وفي الشباب تميع واختلال ، وفي العلاقات الاجتماعية تقطع وانشغال ، وفي الوحدة المطلوبة تنصر واستقلال وذلك له حظ حقيقي في واقع الأمر .
ولسنا نقول ذلك تأييساً ولا تهويلاً ؛ ولكن لئلا نغفل عن واقعنا ، ونعيش في لذةٍ من أمورٍ حسنة ممدوحة لكنه لا ينبغي أن يكون الاقتصار عليها
نحن يا شهرنا العظيم غدونا *** أرنبات تفرن من صياد
وغدت خيمة الأخوة في الريح *** بلا أعمد ولا أوتاد
كتبتنا الأيام في هامش السطر *** روتنا من غير ما إسناد
ولعل بعضكم - وأنا قد قلت ذلك لنفسي - لِمَ مثل هذا الحديث ؟ وهل أغلقنا نوافذ الأمل وأطفأنا أنواره ؟ فأقول: لا ! لكن الشق الأول هو أننا لا بد أن نفتح أعيننا ، وأن نرى ما حولنا ، وأن ندرك تعاظم الأخطار التي تهدد أمتنا ، وأن نقول ذلك وأن نذكّر به ..
يا أمتي إن قسوتي اليوم معذرةٌ *** فإن كفي في النيران تلتهب
وإن قلبي قد طاف الرجاء به *** وقد تدفق منه الماء والعشب
فكم يعز بقلبي أن أرى أمماً *** طارت إلى المجد والعربان قد رسبوا
ومع ذلك - أيها الأخوة الأحبة المؤمنون - ليس هذه هي الصورة ، بل ثمة صورة أخرى تبشرنا بخير .. تلك هي التي ننظرها في واقع أمتنا عموماً ، وفي مثل هذه المناسبات والمواسم الإيمانية والعبادية خصوصاً .
نحن بحمد الله اليوم نجد صوراً أخرى .. نجد إيماناً في القلوب يقوى ، وعزةً في النفوس تزأر ، وشموخاً في مواقف إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين صوراً عجيبةً فريدة .. كل الذي ذكرناه يقابله أنهم أبلوا في العدو بلاء حسناً ، وأنهم أقضوا مضجعه ، وأنهم خربوا تجارته ، وأفسدوا سياحته ، وأدخلوا الرعب في قلوب أبنائه ، وخلطوا أوراقه السياسية ، وأوقعوا من القتلى في صفوفه ما لم يقتل بمجموع كل الحروب التي كانت مع العدو الصهيونية في الحروب العربية الرسمية كما يقال .
ونرى فيه وفي نسائه وفي شبابه صور تذل لها أعناقنا إعزازاً وكراماً لها ، وكذلك خجلاً من مواقفنا أمام تلك المواقف الشامخة البطولية العظيمة !
نحن نرى جيلاً من العقيدة والإيمان يبزغ في كل بقاع الأرض ، وكلما اشتدت قبضة الظلم والطغيان على أمتنا ، كلما تفجرت ينابيع اليقين والإيمان في صدور أبنائها ، وكلما عظمت صور المقاومة والجهاد والمغالبة لأعداء الله ، وصور الرجوع والتمسك والاستمساك بدين الله .. ألسنا نرى اليوم المساجد تُملأ أكثر مما كانت من قبل ؟ ألسنا نرى القرآن يتلى أكثر مما كان من قبل ؟ ألسنا نرى مكة - حرسها الله عز وجل - ومسجدها الحرام يغص بالناس في زحام شديد لم يكن مشهوداً من سنوات قريبة ماضية ؟