فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم دعاها إلى الله .. فأسلمت ..
فهذا الحرص العظيم .. من أبي بكر ..
كان أول ثمراته أن ثبته الله على الدين ..
فإنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم .. شكك بعض الناس في موته ..
وقام عمر رضي الله عنه بسيفه يتهدد من يقول بموته ..
فيرقى أبو بكر المنبر بخطى ثابتات .. ويفصل النزاع بقوله:
من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ..
ثم ترتد قبائل حول مكة .. فيقف لهم أبو بكر .. ثابتاً راسياً .. حتى أعاد قوة الإسلام ..
بل إن من ثمرات هذا الحرص أن أسلم على يديه أكثرُ من ثلاثين صحابياً .. ستة منهم من العشرة المبشرين بالجنة ..
وينبغي على الفتى والفتاة .. بل على المسلمين والمسلمات ..
إذا عرضت لأحدهم شهوة .. أو شعر في قلبه بقسوة ..
أو أحس بفتور عن الطاعات .. ورغبة في المحرمات ..
أن يشكو همه إلى أخٍ ناصح أمين ..
وقد كان بعض السلف يقول لبعض: تعال بنا نؤمن ساعة ..
وروى الترمذي والنسائي بسند حسن ..
أن مرثد بن أبي مرثد رضي الله عنه .. كان يخرج من المدينة .. إلى مكة مختفياً .. ويذهب إلى البيوت التي يحبس فيها أسرى المسلمين فيطلقهم من قيودهم .. ويحملهم إلى المدينة ..
فدخل مكة ليلة من الليالي .. وواعد أحد الأسرى في موضع منها ..
فبينما هو يمشي إليه .. إذ مرَّ بامرأة بغي بمكة .. يقال لها عناق ..
وكانت صديقة له في الجاهلية ..
فلما رآها اختبأ في ظل جدار فرأته .. فأقبلت إليه ..
فلما نظرت إلى وجهه عرفته .. فقالت: مرثد ؟ قال: مرثد ..
قالت: مرحباً وأهلاً .. هلم فبت عندنا الليلة ..
فقال: يا عناق حرم الله الزنا ..
فقالت: لتفعلن أو لأفضحن .. قال: لا ..
فصاحت: يا أهل الخيام .. هذا الرجل يحمل أسراكم ..
ففزع مرثد .. وهرب .. فتبعه ثمانية منهم .. فدخل حديقة ..
واختبأ في غار فيها ..
فدخلوا وراءه فأعماهم الله عنه ..
فرجعوا إلى رحالهم ..
فلبث في مخبئه يسيراً .. ثم خرج إلى موضع صاحبه ..
فحمله معه حتى خرج به من مكة .. ففك عنه قيوده .. حتى أتيا المدينة ..
نعم .. وصلا المدينة .. لكن قلبه لا زال يتذكر تلك المرأة ..فلم يطق صبراً ..
فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فقال:
يا رسول الله .. أنكِحُ عناقاً .. أتزوجها ..؟
فأعرض عنه .. فأعاد عليه: يا رسول الله .. أنكح عناقاً ..
فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. حتى أنزل الله: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } ..
فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام .. فقال له:"يا مرثد: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة .. والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك .. فلا تنكحها".
فرضي الله عن مرثد .. تأمل كيف تدارك نفسه رضي الله عنه .. بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. حتى ذهب ما وسوس به الشيطان له ..
وذكر أبو نعيم في الحلية:
عن عمرو ابن ميمون بن مهران قال:
بعدما كبر أبي وذهب بصره .. قال لي: هلم بنا إلى الحسن البصري ..
فخرجت به أقوده إلى بيت الحسن البصري .. فلما دخلنا على الحسن قال له أبي:
يا أبا سعيد .. قد أنست من قلبي غلظة .. فاستلن لي منه ..
فقرأ الحسن { أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ..
فبكى أبي .. حتى سقط .. وأخذ يضرب برجله الأرض ..
كما تضرب الشاة المذبوحة ..
وأخذ الحسن البصري يبكي معه وينتحب ..
فجاءت الجارية .. فقالت: قد أتعبتم الشيخ .. قوموا تفرقوا ..
فأخذتُ بيد أبي فخرجت به .. فلما صرنا في الطريق .. وكزني أبي في صدري وكزة .. ثم قال: يا بني .. لقد قرأ علينا آيات .. لو فهمتها بقلبك لأبقت فيه كلوماً .. أي جروحاً ..
نعم ..
لا بد من شكوى إلى ذي مروءة * يناجيك أو يسليك أو يتوجع ..
ومن أعظم وسائل الثبات على الدين ..أن يكون المرء طائعاً لله في سره وعلنه ..
صح عند ابن ماجة وغيره .. أنه صلى الله عليه وسلم قال: لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء .. فيجعلها الله هباء منثوراً .. قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا .. جلهم لنا .. لا نكون منهم ونحن لا نعلم ..
قال: أما إنهم إخوانكم .. ومن جلدتكم .. ويأخذون من الليل كما تأخذون .. ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ..
خلت امرأة برجل يوماً .. فكان الشيطان ثالثهما .. فدعته إلى الفاحشة .. فقال: إن رجلاً يبيع جنة عرضها السموات والأرض .. بلذة فانية .. لمجنون ..
وقد كان الصالحون .. يعجبهم أن يكون للرجل خبيئةٌ من عمل صالح .. بينه وبين ربه لا يعلمها أحد .. من صدقة في السر .. أو نصيحة لمقصر .. أو كفالة يتيم .. أو أرملة ومسكين .. أو قيام في الأسحار .. وصيام في النهار .. ودعاء واستغفار ..