فهرس الكتاب

الصفحة 5158 من 9994

أو ختم للقرآن .. وذكر دائم للرحمن ..

والله لا يضيع أجر المحسنين ..

كان أبو بكر رضي الله عنه إذا صلى الفجر خرج إلى الصحراء .. فاحتبس فيها شيئاً يسيراً .. ثم عاد إلى المدينة ..

فعجب عمر رضي الله عنه من خروجه .. فتبعه يوماً خفية بعدما صلى الفجر ..

فإذا أبو بكر يخرج من المدينة ويأتي على خيمة قديمة في الصحراء .. فاختبأ له عمر خلف صخرة ..

فلبث أبو بكر في الخيمة شيئاً يسيراً .. ثم خرج ..

فخرج عمر من وراء صخرته ودخل الخيمة .. فإذا فيها امرأة ضعيفة عمياء .. وعندها صبية صغار ..

فسألها عمر: من هذا الذي يأتيكم ..

فقالت: لا أعرفه .. هذا رجل من المسلمين .. يأتينا كل صباح .. منذ كذا وكذا ..

قال فماذا يفعل: قالت: يكنس بيتنا .. ويعجن عجيننا .. ويحلب داجننا .. ثم يخرج ..

فخرج عمر وهو يقول: لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر .. لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر ..

ولم يكن عمر رضي الله عنه بعيداً في تعبده وإخلاصه عن أبي بكر ..

فقد خرج مرة رضي الله عنه إلى ضواحي المدينة .. فإذا برجل عابر سبيل نازل وسط الطريق .. وقد نصب خيمة قديمة .. وقعد عند بابها .. مضطربَ الحال .. فسأله عمر: من الرجل ؟

قال: من أهل البادية .. جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله ..

فسمع عمر أنين امرأة داخل الخيمة .. فسأله عنه ؟

فقال: انطلق رحمك الله لحاجتك ..

قال عمر: هذا من حاجتي ..

فقال: امرأتي في الطلق - يعني تلد - وليس عندي مال ولا طعام ولا أحد ..

فرجع عمر إلى بيته سريعاً .. فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي: هل لك في خير ساقه الله إليك ؟

قالت: وما ذاك .. فأخبرها بخبر الرجل .. فحملت امرأته معها متاعاً .. وحمل هو جراباً فيه طعام .. وقدراً وحطباً .. ومضى إلى الرجل ..

ودخلت امرأة عمر على المرأة في خيمتها ..

وقعد هو عند الرجل .. فأشعل النار وأخذ ينفخ الحطب .. ويصنع الطعام .. والدخان يتخلل لحيته .. والرجل قاعد ينظر إليه ..

فبينما هو على ذلك .. إذ صاحت امرأته من داخل الخيمة .. يا أمير المؤمنين .. بشر صاحبك بغلام ..

فلما سمع الرجل .. أمير المؤمنين .. فزع وقال: أنت عمر بن الخطاب .. قال: نعم .. فاضطرب الرجل .. وجعل يتنحى عن عمر.. فقال له عمر: مكانك ..

ثم حمل عمر القدر .. وقربه إلى الخيمة وصاح بامرأته .. أشبعيها ..

فأكلت المرأة من الطعام .. ثم أخرجت باقي الطعام خارج الخيمة ..

فقام عمر فأخذه فوضعه بين يدي الرجل .. وقال له: كل .. فإنك قد سهرت من الليل ..

ثم نادى عمر امرأته فخرجت إليه ..

فقال للرجل: إذا كان من الغد .. فأتنا نأمر لك بما يصلحك ..

وهكذا كان من بعدهم ..

فكان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل .. فيتصدق بها..ويقول: إن صدقة السر تطفىء غضب الرب ..

فلما مات وجدوا في ظهره آثار سواد .. فقالوا: هذا ظهر حمال .. وما علمناه اشتغل حمالاً ..

فانقطع الطعام عن مائة بيت في المدينة .. من بيوت الأرامل والأيتام .. كان يأتيهم طعامهم بالليل .. لا يدرون من يحضره إليهم .. فعلموا أنه الذي ينفق عليهم ..

وصام أحد السلف عشرين سنة .. يصوم يوماً ويفطر يوماً .. وأهله لا يدرون عنه .. كان له دكان يخرج إليه إذا طلعت الشمس ويأخذ معه فطوره وغداءه .. فإذا كان يوم صومه تصدق بالطعام .. وإذا كان يوم فطره أكله ..

فإذا غربت الشمس .. رجع إلى أهله وتعشى معهم ..

نعم .. كانوا يستشعرون العبودية لله في جميع أحوالهم ..

هم المتقون حقاً .. وأولياء الله صدقاً .. والله يقول: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا } ..

فطوبى لقلوب ملأتها خشيته .. واستولت عليها محبته ..

أصبحت الطاعة لهم عادة .. والحركات والسكنات لهم عبادة ..

والله لو جالست نفسك خاليا * وبحثتها بحثا بلا روغان

لوجدت خير العيش عيشهم فإن ..تقعد رجعت بذلة وهوان

فالحق شمس والعيون نواظر * لا تختفي إلا على العميان

والقلب يعمى عن هداه مثلما تعمى * وأعظم هذه العينان

وصلاحه وفلاحه ونعيمه تجريد هذا الحب للرحمن

فإذا تخلى منه أصبح حائراً ويعود في ذا الكون ذا خسران

وعلى من وفقه الله للاستقامة على هذا الدين .. أن لا يغتر بطول استقامته .. ولا كثرةِ صلاته وعبادته ..

بل يسأل ربه الثباتَ على الدين .. والعصمةَ واليقين ..

وانظر إلى محطم الأصنام..وباني البيت الحرام..إبراهيمَ عليه السلام..

يبني البيت وهو يبتهل إلى ربه ويقول:واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام ..

ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ..

وقالت عائشة رضي الله عنها .. كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت