فهرس الكتاب

الصفحة 5178 من 9994

إن مضي الزمن واختلاف الليل والنهار لا يجوز أن يمر بالمؤمن وهو في ذهول عن الاعتبار به، والتفكر فيه، ففي كل يوم يمر، بل في كل ساعة تمضي، بل في كل لحظة تنقضي، تقع في الكون والحياة أحداث شتى، منها ما يرى وما لا يرى، ومنها ما يعلم ومنها ما لا يعلم.. فمن أرض تحيا، وحبة تنبث، ونبات يزهر، وزهر يثمر، وتمر يقطف، وزرع يصبح هشيماً تذروه الرياح، أو من جنين يتكون، وطفل يولد، ووليد يشيب، وشيخ يتكهل، وكهل يشيخ، وشيخ يموت...6 إلى غير ذلك.

إذا كنت في الأمس أسأت فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميد

ولا ترج فعل الخير يوماً إلى غد لعل غداً يأتي وأنت فقيد

ويومك إن عاتبته عاد نفعاً إليك وما ضُحى الأمس ليس يعود

وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يشغلك عن الله - تعالى- أحد فافعل.

أيها الشاب: إن زمن الشباب زمن الصحة والقوة.. الحركة سريعة، والوثبة قوية، والحواس مكتملة... ماذا قدمت في هذا الوقت؟ وهي صحة لن تعود، ونشاط لن يبقى، وحواس تنقص..

كانت صفية بنت سيرين توصي فتقول.. يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب؛ فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب.

إن الشباب حجة التصابي روائح الجنة في الشباب

بعض الشباب يرى أن لديه وقت فراغ ... وساعات لا يحتاج إليها.. ويبرر لنفسه بما يشاء.. خرج القاضي شريح على قوم من الحاكة في يوم عيد وهم يلعبون، فقال: ما لكم تعلبون؟ قالوا: تفرغنا!! قال: أو بهذا أمر الفارغ، وتلا قوله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } 7 .8

أيها الشباب: إن الشباب أمثالكم في عهود الإسلام الأولى كان يشغلهم معالي الأمور، وكيف ينصرون دينهم، ويبلغون دعوة نبيهم؛ فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه يقود جيشاً عرمرماً، وفي الجيش كبار الصحابة، وتحت إمرته أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وغيره من كبار الصحابة، وكان لا يتجاوز عمره حينها العشرين عاماً. وعلى بن أبى طالب رضي الله عنه كان يصول ويجول في ساحات القتال، يقاتل الأشداء من الكفار مبارزة.

وابنا عفراء يتصديان لقتل فرعون هذه الأمة أبا جهل؛ واسمع إلى قصتهما العجيبة؛ فعن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت: ألا وإن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيها فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال:"أيكما قتله ؟"قال كل واحد منهما أن قتلته، فقال:"هل مسحتما سيفكما ؟"قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال:"كلا كما قتله"9 . وابن عباس ترجمان القرآن؛ كان مرجعية علمية وآية في الفهم والحفظ على صغر سنه.

كرر عليّ حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الناس: إنني أحذر نفسي وإياكم من آفات الوقت القاتلة، والتي منها:

أولاً: الغفلة؛ فإن الله تعالى قد حذرنا من الغفلة أشد التحذير، حتى إنه جعل أهلها أضل من الأنعام سبيلاً، بل جعلهم حطب جهنم وساءت، قال الله تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } 10 .

وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم من أن يطيع أو يسمع للغافلين؛ كما في قوله تعالى: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } 11.

أرشد سبحانه وتعالى إلى علاج من هذه الآفة؛ في قوله سبحانه: { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ } 12 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت