فهرس الكتاب

الصفحة 5179 من 9994

ثانياً: التسويف وهو من آفات الوقت القاتلة، حيث تتنقل بالإنسان في أعماله من وقت لوقت ومن زمان لزمان ومن مكان لمكان، حتى ينقطع وهو لا أظهر أبقى وعمل قضى، لا سيما الأعمال التي تقربه من الله خالقه ومولاه، فكم نسمع بعض الناس إذا نصحوا أو وجهوا أو أمروا بما ينفعهم، يقولون: سوف نتوب، وسوف نعمل،... وأقول: احذروا - بارك الله فيكم - من سوف؛ فإنها جندي من جنود إبليس، وكما قيل: سوف تسلف، وذلك حين لا يجدي التسلف، قال الله تعالى: { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } 13 .

ومن الذي يضمن لك أيها المسوف المؤخر لعملك اليوم غدٍا وأنه لك لا عليك؛ وأنك ستعيش إلى غد، وأنَّ الموت لن يأتيك بغتة، { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ } 14 { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } 15.

تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من سليم مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

وكم من فتى يمسي ويصبح آمناً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

ثم إن لكل يوم عمله، ولكل وقت واجباته، فليس هناك مجال للتسويف، ولما قيل لعمر بن عبد العزيز، وقد بدا عليه الإرهاق من كثرة العمل: أخر هذا إلى الغد. فقال: لقد أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع عليّ عمل يومين؟!

وقال الحسن البصري رحمه الله: إياك والتسويف، فإنك بيومك، ولست بغدك، فإن يكن غد لك، فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم.

وكتب محمد بن سمرة السائح إلى يوسف بن أسباط يقول: أي أخي! إياك وتأمير التسويف على نفسك، وإمكانه من قلبك، إنه محل الكلال، وموئل التلف، وبه تقطع الآمال، وفيه تنقطع الأجيال، فإنك إن فعلت ذلك أدلته من عزمك، وهواك عليه فعلاً، واسترجعا من بدنك من السآمة ما قد ولى عنك، فعند مراجعته إياك لا تنفع نفسك من بدنك بنافعة، وبادر يا أخي فإنك مبادرٌ بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجد فإن الأمر جد، وتيقظ من رقدتك، وانتبه من غفلتك، ونذكر ما أسلفت وقصرت، وفرطت وجنيت وعملت، فإنه مثبت محصى، فكأنك بالأمر قد بغتك، وأعطيت بما قدمت، أو ندمت على ما فرطت.

فالله الله - عباد الله - في الحفاظ على الأوقات واستغلالها فيما يرضي رب الأرض والسماوات، والحذر والحذر من الغفلات، وتأخير الطاعات والتسويف في فعل الخيرات؛ وإضاعة الأوقات فيما يسخط عالم السر والخفيات. وما يسبب لكم الفوات أو للنفس اعتياد المنكرات، وكما قيل:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

واعلموا أن العمل مهمة الإنسان الحي، فالذي لا يعمل لا يستحق الحياة، بل هو ميت، وكل عمل ابن آدم عليه إلا عمل الآخرة وما يقرب إلى الله - عز وجل -، فإنه له يضاعف له الحسنة بعشرة أمثالها إلى أضعاف كثيرة، ولا يمنع ذلك من أن يعمل الإنسان لدنياه، وما يعينه في مسيره إلى الآخرة، لكن يعمل للدنيا، وشعاره: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيننا على أنفسنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعصمنا من كل سوء ومكروه، وأن يعنا على استغلال أوقات عمرنا فيما يرضيه لنا، إنه جواد كريم..

اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الكفرة والملحدين، واجعل كلمة هي العليا إلى يوم الدين.

اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا وأتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

1-ابتصرف من الوقت انفاس لا تعود صـ ( 16- 17 ) .

2 -سورة الشرح (7 - 8) .

3 -سورة الذاريات (56) .

4 -رواه البخاري ومسلم.

5-الوقت أنفاس لا تعود لعبد الملك القاسم صـ ( 13- 15) .

6-الوقت أنفاس لا تعود لعبد الملك القاسم صـ ( 21-22 ) . نقلاً عن الوقت للقرضاوي.

7 -سورة الشرح (7) (8) .

8-الوقت أنفاس لا تعود لعبد الملك القاسم صـ ( 30-31) .

9 -رواه البخاري ومسلم.

10 -سورة الأعراف (179) .

11 -سورة الكهف (28) .

12 -سورة الأعراف (205) .

13 -سورة الشعراء (88) (89) .

14 -سورة الأنعام (47) .

15 -سورة الأعراف (34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت