فهرس الكتاب

الصفحة 5234 من 9994

وقال الإمام النووي: «وأما معنى الحديث، فاختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين: أحدهما: هو كفر بالله سبحانه وتعالى سالبٌ لأصل الإيمان مخرج عن ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكواكب فاعل مدبر منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقده فلا شك في كفره، وهذا القول الذي ذهب إليه جماهير العلماء والشافعي منهم، وهو ظاهر الحديث، قال: وعلى هذا لو قال: مطرنا بنوء كذا معتقدًا أنه من الله تعالى وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة اعتبارًا بالعبادة، فكأنه قال: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر، والأظهر كراهيته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن بصاحبها» .

قلت: الأولى النهي مطلقًا عن قول هذه الكلمة سدًا للذريعة، وقد بين ذلك ووضحه الشيخ سليمان قال: «الاستسقاء بالنجوم نوعان: أحدهما يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر، إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله [العنكبوت: 63] ، وليس هذا معنى الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر فهو كافر.

الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنزل له، لكن معنى أن الله تعالى أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، فحكى ابن مفلح خلافًا في مذهب أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه والصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم، وأيضًا فإن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم حماية لجناب التوحيد، وسد الذريعة الشرك ولو بالعبارات الموهمة التي لا يقصد صاحبها.

المبحث الثاني: سد الذرائع في توحيد الأسماء والصفات

من المعلوم المقرر عند أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى له وحده الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا يشاركه فيها غيره، وهم يثبتون كل ما جاء في كتاب الله، وما صح به الخبر من سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه وتمثيل، أو تعطيل وتأويل.

ولأهمية السلامة في جانب الاعتقاد- ومنه الأسماء الحسنى- ولأن أسماء الله وصفاته تحمل معنى العظمة والجلال التي لا يشارك فيها الخالق المخلوق، فقد احتاط الشارع لهذا الجانب، وسد كل طريق يؤدي إلى الخلط فيه، وهذه بعض الأمثلة:

1-إثبات علم الغيب لله وحده ونفيه عن الأنبياء والمرسلين فضلاً عن غيرهم:

من الصفات الثابتة الدالة على كمال العلم وسعة القدرة والعظمة انفراد الله عز وجل بعلم الغيب، فلا يشاركه فيه نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال تعالى: قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون [النحل:65] .

ولما كان الأنبياء والمرسلون يخبرون عن الله أمره، ويعلمون الناس شرعه بإعلام الله لهم، ومن ذلك أمور تتصل بعالم الغيب كما قال تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا [الجن: 26- 28] ، فقد نفى الله عنهم علم الغيب ونص على بشريتهم وبين منزلتهم، وقرر ذلك في كتابه في أكثر من موطن سدًا لذريعة نسبة علم الغيب إليهم، ويظهر ذلك واضحًا في سياق الآية السابقة، ويظهر أيضًا في قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون [الأعراف: 188] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت