فهرس الكتاب

الصفحة 5235 من 9994

قال ابن كثير: «أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل، ولا اطلاع به على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الآية، وقوله: «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير» ، قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد: لو كنت أعلم متى أموت لعملت صالحًا، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال مثله ابن جريج، وفيه نظر، لأن عمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان ديمة، وفي رواية كان إذا عمل عملاً أثبته، فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله عز وجل في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم، والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس: «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير» أي من المال، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «وما مسني السوء» ، قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون وأتقيه، ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنان، كما قال تعالى: فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا [تفسير ابن كثير: ج2/526، 527] .

وللشيخ محمد رشيد رضا كلام جميل في هذه الآية بين فيه أن الناس قد افتتنوا بمن اصطفاهم الله من الأنبياء والمرسلين وغلوا فيهم، فكان هذا السياق الكريم بهذه الصورة ردًا عليهم، كما بينت حقيقة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بشر لا يرفع إلى مرتبة الألوهية كما تجب طاعته، لأنه رسول رب العالمين، وفي ذلك يقول: «أي قل أيها الرسول للناس فيما تبلغه من أمر دينهم إنني لا أملك لنفسي- أي ولا لغيري بالأولى- جلب نفع ما في وقت ما، ولا دفع ضرر ما في وقت ما، كما أنه لا يملك شيئًا من علم الغيب الذي هو شأن الخالق دون المخلوق كما يأتي بيانه في تفسير الجملة التالية، والاستثناء على هذا منفصل عما قبله مؤكد لعمومه، أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كان، فهو كقوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله، وهذا الوجه المختار عندنا، لأن الناس قد فتنوا منذ قوم نوح بمن اصطفاهم الله ووفقهم لطاعته وولايته من الأنبياء ومن دون الأنبياء والصالحين، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، والجملة استدلال على نفي علم النبي صلى الله عليه وسلم الغيب كأنه يقول: لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا ولا أعلم الغيب، ولو كنت أعلم الغيب- وأقربه ما يقع في مستقبل أيامي في الدنيا- لاستكثرت من الخير كالمال وأعمال البر، وفيه وجه آخر: أنه مستأنف غير معطوف على ما قبله، ومعناه: وما مسني الجنون كما زعم الجاهلون، فيكون حاصل معنى الآية: نفي رفعه إلى رتبة الألوهية الذي افتتن بمثله الغلاة، أو نفي وضعه في أدنى مرتبة البشرية الذي زعمته الغواة العتاة وبيان حقيقة أمره» . [تفسير المنار ج9/508- 512] .

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في الآية: «هذا ارتقاء في التبرؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم، وزيادة من التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة، وتمييز ما هو من خصائصها عما ليس منها، والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استيفائها الاهتمام بمضمونها، كي تتوجه الأسماع إليها، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله: قل إنما علمها عند ربي، قل إنما علمها عند الله، للاهتمام باستقلال المقول، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول صلى الله عليه وسلم نحو معرفة الغيب ليقلع عن عقول المشركين توهم ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة، إعلانًا للمشركين بالتزام أنه لا يعلم الغيب، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيأسوا من تحديه بذلك» .

2-إثبات صفة العلم ومعية الله لخلقه مع استوائه على عرشه.

ذكر ربنا سبحانه وتعالى في كتابه استواءه على عرشه في أكثر من موضع، وهو استواء يليق بجلال الله وكماله، ومعناه عند السلف علو الله على خلقه، وذكر البخاري عن أبي العالية: استوى إلى السماء: ارتفع، وقال مجاهد: استوى علا على العرش.

ودفعا لما يمكن فهمه من علو الله على خلقه أن الله بعيد عن عباده، فلا يعلم ما هم عليه نصَّ سبحانه في كثير من آيات الاستواء على علمه بخلقه، وبتدبير أمر مملكته، وإحاطته بما هم عليه، كما ذكر معيته لهم مع استوائه على عرشه، حتى لا يفهم أحد أن الله حال في مخلوقاته.

وأكتفي هنا بذكر آخر آية في القرآن الكريم أثبتت علو الله على خلقه واستواءه على عرشه، مع إثبات صفتي العلم والمعية معًا، ثم أتبعها بأقوال بعض أهل العلم في معناها.

قال تعالى: هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير [الحديد: 4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت