فهرس الكتاب

الصفحة 5236 من 9994

قال الطبري في معنى الآية: «يقول تعالى ذكره مخبرًا عن صفته، وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه، يعلم ما يلج في الأرض من خلقه، يعني بقوله: يلج: يدخل، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء إلى الأرض من شيء قط، وما يعرج فيها فيصعد إليها من الأرض، وهو معكم أينما كنتم، يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس، أينما كنتم يعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع، والله بما تعملون بصير» .

وقال ابن تيمية عن فهم السلف وتفسيرهم لمعنى المعية والقرب: «وأما القسم الرابع: فهم سلف الأمة وأئمتها، أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم، أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب، ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل» . فهو سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم».

ومعية الله لخلقه تنقسم إلى قسمين: معية خاصة، وهي الواردة في مثل قول الله تعالى: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] ، وفي قوله: لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] ، وهذه المعية تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، وهي للمؤمنين، ومعية عامة تتعلق بالناس جميعًا، وهي الواردة في مثل قول الله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7] ، وهذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم.

وقد ذكر القاسمي عن ابن قدامة أنه قال: «إن ابن عباس والضحاك ومالكًا وسفيان وكثيرًا من العلماء قالوا في قوله: «وهو معكم» أي علمه، وقد ثبت بكتاب الله والمتواتر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف أن الله تعالى في السماء على عرشه، وجاءت هذه اللفظة محفوفة بها دلالة على إرادة العلم منها، وهو قوله: ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، ثم قال في آخرها: أن الله بكل شيء عليم [المجادلة: 7] ، فبدأها بالعلم وختمها به، ثم سياقها لتخويفهم بعلم الله تعالى بحالهم، وأنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ويجازيهم عليه، وهذه قرائن كلها دلالة على إرادة العلم».

وقال عبد الرحمن السعدي: وهو معكم أين ما كنتم، كقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا، وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد بالمجازاة بالأعمال بقوله: والله بما تعملون بصير أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال».

وقال الشيخ محمد بن عثيمين بعد كلام له عن آية سورة الحديد: «فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم، واستوائه على عرشه، لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضًا لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه» . والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت