وقد أخبرنا الله - سبحانه وتعالى - عن الطريقين المفترقين طريق الله وطريق الرحمن وطريق رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - وطريق الشيطان ؛ فإنهما طريقان لا يلتقيان: { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاَ عظيما } .
الله - عز وجل - في منهجه وشرعه يدعو إلى العفاف ، وهم يدعون إلى الانحلال ، والله - جل وعلا - في شرعه يدعو إلى الستر والحشمة وهم يدعون إلى التهتك والتبرج ، والله - جل وعلا - يدعو إلى كل خيرِ ، وإلى كل حلالٍ طيبٍ ، وهم يغلقون ذلك ويفتحون أبواباَ من أبواب الشر يتعاون فيها شياطين الإنس والجن بعضهم مع بعض: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } .
وفي الآية إشارة إلى الدائين { أضاعوا الصلاة } غفلة ، وحجاب الغفلة قد ضرب على قلوبهم ، وغشى على عقولهم حتى لم يعودوا يدركون فرضية الطاعات ولا أهميتها ولا أثرها في نفوسهم ، وكان نتيجةً لذلك ، عندما تركوا حصن وسياج الإيمان والطاعة أن تغلبت عليهم الأهواء وتسلق على أسوار حصونهم المهترئة الشياطين فغزتهم من كل جانب ، فإذا هم بحواسهم يتيهون مع الشيطان ويتبعون خطواته خلافاً لما أمرهم الله - عز وجل - ونهاهم عنه في ألا يتبعوا خطوات الشيطان .
وإذا تأملنا ؛ فإننا نجد ذلك حياً واضح في واقع حياة الناس ، والله - سبحانه وتعالى - قد بين صوراً من ذلك في إضلال شياطين الإنس وإغواء شياطين الجن وتعاونهم على ذلك ، كما أخبرنا الحق - سبحانه وتعالى - في كثيرِ من الآيات القرآنية عن تزين الشيطان: { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل } .. { إن الشياطين لا يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } .. { وكذلك جعلنا لكل نبيِ عدواَ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعضِ زخرف القول غرورا } .
ولعلنا اليوم - ونحن نشهد مكر شياطين الإنس - ربما نرى أنهم قد بلغوا في ذلك مبلغا كما ورد في الحديث الصحيح عن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - الذي يرويه جابرُ في صحيح مسلم: ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه - يبعث جنوده وهو الذي قد أخبر الله عز وجل أنه تفرغ لإغواء بني أدم - إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منهم - أي أقربهم إليه وأحبهم عنده - أعظمهم فتنة أعظمهم فتنةَ وفتكاَ في بني أدم ، فيأتي أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا النتيجة غير فتاكة غي مؤثرة الفتنة غير ماحقة وغير مشتهرة وغير منتشرة ، فيأتي الثاني فيقول له: ما صنعت شيئاً ، حتى إذا جاء أحدهم فيقول:"ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته"، فيدنيه منه ويقول:"أما أنت فنعم أما أنت فنعم".
ذلك الذي يسخر أسباب الإغواء والإغراء حتى يفرق ما بين الرجل وزوجته وحتى يشيع الفاحشة في مجتمع وحتى يخاطب الناس بالشهوات فلا يكون عندهم عقول تبصر أو ترشد ولا تكون عندهم تقوى تعصم أو تمسك بل يكونون تبعاَ لأهوائهم وشهواتهم نسأل الله - عز وجل - السلامة .
وقد روى أيضاَ الإمام أحمد في مسنده وكذلك الطبراني في معجمه من حديث أبي سعيدِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر:"أن إبليس قال لله - عز وجل - لا أزال أغوي بني أدم ما تردد أرواحهم في أجسادهم فقال لله عز وجل: ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني ، ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني"، أي أن عندهم رجوع إلى الله وصلةٌ به ، ورجوع إليه ، وعدم الإغراء ؛ لأن الناس على جانبين لا بد للإنسان في وقوعٍ في معصية أو إلمامِ بذنب لكن الافتراق ليس في ذلك وإنما الافتراق فيما يكون بعد وجود الغفلة أو بعد وقوع المعصية: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفَ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } .
لكن الفئة الأخرى وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون أولئك يرتكبون المعصية وتزين في نفوسهم فيتعلقون بها ثم يعاودونها ثم لا تزال المعصية تثمر معصيةً حتى يدمنوا عليها وحتى يغرقوا فيها وحتى تضرب على قلوبهم الغفلة وتظلم نفوسهم ويحرمون من طاعة الله ومن التوبة لله سبحانه وتعالى .
إذا تأملنا ؛ فإننا نجد هذه الشهوات في واقع مجتمعات الأمة الإسلامية اليوم تحضى بكثيرٍ وكثيرٍ وكثيرٍ من التأثير على النفوس والعقول ، وتحضى بكثيرٍ من التأثير في السلوك والأعمال .
ويبدأ ذلك بالتزيين والإغراء ، وما أدراك ما التزيين والإغراء ! كأن المرء اليوم لا يستطيع أن يحول بينه وبين هذه الدعوات التزينية الإغراءات الإغوائية ؛ فإن غضّ بصره لا يسلم أن يسمع بأذنيه ، وإن فعل ذلك ؛ فإنه لا يلبث أن يرى وأن يقرأ وأن يشاهد ما لعله يقرب أو يدعوا أ و يسهل هذه الشهوات المحرمة ومقارفتها .