فهرس الكتاب

الصفحة 5240 من 9994

وأما إذا انفلت سعار الشهوات وانفلت خطامها ؛ فإنها ما تزال تعظم وتعظم حتى إذا وقعت الفواحش ثم جاء بعد الفواحش الشذوذ ثم جاء مع الشذوذ جرائم القتل ثم جاء مع القتل أشياء وأشياء أخرى وانتشرت مع ذلك الأمراض وتقطعت الأواصر ، وصارت اللحن ووجدت الفضائح .. إلى غير ذلك مما ابتليت كثيرَ من مجتمعات المسلمين نسأل الله عز وجل السلامة .

ومن آثار ذلك أيضاً زوال الفوارق والمميزات بين مجتمع المسلمين وبين مجتمع غير المسلمين ، كأنك عندما ترى بعض بلاد الإسلام لا تستطيع أن ترى شيئاً يميزها فنسائهم متبرجات وخمورهم تباع علناً في الصالونات ومواقع اللهو و العبث والحرمة ..كلها مذكورةِ مشهورة بل تقدم لها الدعايات وتقدم لها التسهيلات وتسهل لها الأمور والإجراءات حتى تفتك بالأمة وتعمل في شبابها عملها .

ولعلي أقف وقفتاً أخيرة عن السر في هذا السعار الذي زاد وهذا الاتباع لشهوات الذي فشى ما أسبابه لعلنا نذكر أن أول الأسباب وأعظمها [ ضعف التربية الإيمانية ] ، وذهاب خوف الله - عز وجل - من القلوب وقلة الحياء منه سبحانه وتعالى ، وضعف المراقبة له - جل وعلا - وكل ذلك متعلقٌ بأصل الإيمان ووجوده حياً في القلوب ، وأثره واقعاً في السلوك ؛ فإننا قد استمرأ كثيرَ منا أن نبقي الإيمان في دائرة المجادلات النظرية والبراهين العقلية دون أن ننظر إلى انعكاساته السلوكية وإلى حقيقته الواقعية التي تظبط حياة الإنسان .

فلما غابت هذه المعاني من القلوب ما عدا في الناس خوفَ من الله ولا حياءَ منه ولا مراقبةَ له إذا وقع ذلك فكل ما وراء ذلك مبررَ ومتوقعَ بعد ذهاب ذلك .

أما تلك العصمة الإيمانية وتلك الرقابة الحية لله عز وجل في قلب المؤمن فإنه أعظم عاصمِ من المنكرات والوقوع في الشهوات المحرمات .

وكذلك ننظر إلى أمرِ آخر وهو التهاون بالصغائر ، أو عدم الدقة في التزام الأوامر الله - جل وعلا - عندما نهى عن الفواحش لم يقل لا تتركب الفواحش وإنما قال: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } .

وذلك نهيٌ عامٌ شاملٌ في احتياطاتٍ كثيرة حتى لا يكون الأمر الأول يؤدي إلى ما بعده .

والناس اليوم قد ترخصوا ، و الله عز وجل قال: { ولا تقربوا الزنى } ، والله سبحانه وتعالى قال: { فلا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض } ، وقال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } .. { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } ..

كل هذه النواهي سياجٌ لئلا يزداد أثرها في النفوس ، ولئلا تفعل فعلها في القلوب ، ولئلا تكون سبباً لما بعدها .

وبعض الناس اليوم يقول:"نظرة لا بأس بها والعين بحرٌ"وغير ذلك وربما تساهل في الأمر أو تساهلت الفتاة في الأمر فقال كلماتَ في الهاتف ما تضر وصحبةَ في طريقِ لا يقع بها أذى ونحو ذلك .

ولا يدري الإنسان أن طبيعة النفس البشرية وأن تفالع الشهوة وتضاعفها يؤدي إلى ما هو أكبر .. ومن تساهل في الصغيرة فإنه للكبيرة أقرب ومن الوقوع فيها أدنى .

فينبغي لنا أن نحرص على ذلك وأن ننتبه له وأن ليس عندنا في حقيقة الأمر من الأمور المأمور بها أو المنهي عنها شيءَ صغير كيف يكون صغيراً والله عز وجل هو الذي يأمر به أو الله عز وجل هو الذي ينهى عنه أو النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يحذر منه .

فكيف يكون صغيراً وهذا حاله ؟ ونحن نتعبد بكتاب الله وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباعهما واتباع أحكامهما .

وثالثةَ أيضاً وهي التربية الأسرية غاب الآباء إما في شهواتهم وإما في أعمالهم ، وتحصيل أرزاقهم وشغلت الأمهات بمتابعة الإذاعات ومشاهدة الشاشات والزيارات والكلمات وضاع في ذلك والأبناء والبنات وهذه أيضاً مشكلةٌ كبرى ويلحق بها أيضاً ما يتعلق بغياب الرقابة فيما يرى وفيما يقرأ وفيما يسمع وفيمن يخالط الأبناء والبنات .. وذلك أمرٌ خطير فإن رفقة السوء لها أثرها الوخيم ، وإن كثيراً من الشباب والشابات ربما كانوا في أنفسهم طيبين وفي أسرهم شيءَ من المحافظة والصيانة والبعد عن هذه الفواحش وتلك الشهوات إلا أنهم كما يقال:"الصاحب ساحب".

فينبغي الحذر من ذلك .

ومن أعظم الأسباب وأفتكها وأعظمها ضرراً ما يسلطه أعداء الإسلام من غير المسلمين ، وكذلك أعداء الإسلام من أبناء المسلمين في وسائل الإعلام التي غزت العقول والقلوب والنفوس ، وعمِلَت عملاً عظيماً ، وفتكت فتكاً كبيراً ، وأساءت إساءةً لا منتهى لحدها ، إذ تقرّب الفواحش وتزينها وتهيج عليها وتدعوا إليها لألوانٍ شتى وصورِ عديدةِ لا يستطيع المرء حصرها ، بل أحياناً لا يستطيع تصورها ؛ فإن فيها من المكر والكيد والتحسين والإغراء ما لعل شياطين الجن يعجزون عنه ويكون شياطين الإنس متفوقون فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت