كيف لا يحبونه وقد أخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربه، فكان لهم قائدًا و مربيًا وأبًا ورسولا نبيًا، وسراجًا منيرًا، ولن يؤمن أحد حتى يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إليه من ماله وولده وأهله ونفسه والناس أجمعين (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) وذلك هو الحب أيها الأحبة. إن هذا الحب العميق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع شدته، ومع مفاداتهم له بالنفس والنفيس فإن عقائد المسلمين استقامت بفضل الله لم يتجاوزوا صفة النبوة، ولم ينسبوا إلى نبيهم -صلى الله عليه وسلم- صفة الألوهية، ولم يعبدوه من دون الله، بل كان صوته يجلجل في عقولهم ويرددونه"أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة"القرآن يذكِّر ببشريته (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) والقرآن يذكر أنه يصيبه ما يصيب البشر (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) فالاتباع خير لو كانوا يعلمون. صدقوا الله حتى في أمنياتهم وهممهم، وهمم أهل الدين يجب أن تكون أعلى وأسمى. هكذا كانت مطالب الصحابة -رضوان الله عليهم- وأمانيهم اجتمعوا يومًا من الأيام فقال قائلهم: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن لي مثل هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل-. وقال آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به، وأما علي -رضي الله عنه- فيتمنى الضرب بالسيف، والصوم بالصيف، وإكرام الضيف. وأما خالد فيتمنى ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد يصبِّح منها العدو ليجاهد في سبيل الله. وأما عمر -رضي الله عنه- فيقول: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة برجال مثل [أبي عبيدة] ؛ أستعملهم في طاعة الله. رجال أمناء كأمين الأمة، يستعملهم في طاعة الله، يا أيها الأحبة يتمنى عمر هذه الأمنية في أي وقت، في وقت امتلأت فيه الساحة الإسلامية برجال عز نظيرهم، وقل مثيلهم، وجل شبيههم. فما أعظم حاجتنا اليوم إلى مثل هذه الأمنية، وقد افتقرت البلاد وأجدبت، وعجزت النساء أن يلدن أمثال أولئك الرجال! كم هي حاجة الأمة ماسة إلى أمين كأبي عبيدة بعد أن استشرت الخيانة. كم هي حاجتنا ماسة إلى رجل كأبي عبيدة يرفع لواء الجهاد بعد أن استنوق الجمل، وعاثت في الأرض الغربان، واستنسر في سماء الأمة بغاث الطير. كم هي حاجة الأمة لأمين كأبي عبيدة في غيبة الأمناء، حتى صارت الأمة أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، تداعت علينا الأمم، وتداعى الأكلة على قصعتها، لا من قلة والله، ولكن غثاء كغثاء السيل، أحببنا الدنيا، وكرهنا الموت، فكان ما كان. كأني والله بقدوة من أولئك الصادقين يقول بلسان حاله وهو مرابط في قبره: وا أسفاه، وا أسفاه، أأنتم أحفادنا؟ أأنتم من قرأتم القرآن؟ أأنتم من درستم سيرة المختار؟ وا أسفاه نقشتم وصايا المختار على الجدران والأحجار، وكان الأحرى أن تنقشوها على الجنان ، وا أسفاه، أما قلت لكم: أقيموا الصلاة؟ فما بالكم تركتم الصلاة، وغادرتم المساجد لتعمروا المسارح والملاعب والملاهي. وا أسفاه ، أما قلت لكم صوموا رمضان، وقوموه إيمانا واحتسابًا ؟ فما بالكم تجعلونه شهر الطعام والفوازير والسهر على الحرام مع ضياع الأوقات؟ وا أسفاه ألم أقل لكم تصدقوا؟ فما بالكم بخلتم فما تنفقون درهمًا إلى على أقدام راقصة أو لاعب أو صاحب مزمار أو آلة دمار وعار، عار وأي عار! وا أسفاه ألم أقل لكم حجوا واعتمروا؟ فما بالكم جُبْتُم أقطار الدنيا، وبيت الله منكم على مرمى حجر يهجر، أأنتم بشر؟ وا أسفاه، تغرقون في أزقة الغرب ومواخيرها، ولا تعرفون الخندق ولا بدرًا ولا أحدًا ولا الحديبية، لا تعرفون المقام ولا الحطيم ولا زمزم وتعرفون أزقة باريس وما أشبهها. ألم أقل لكم انصحوا والدين النصيحة؟ فما بالكم اتقنتم صفة النفاق تَغُشُّون وتُغَشُّون، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة، واأسفاه يا رجال الحق!
يا رجال الحق قد جل الأسى *** أرجال منْ أرى أمْ لا أَرَى؟
ضاعت الأمةُ فِي غفلاتِكم *** وتَحَيَّزْنا لأمرٍ حيَّر
الجوى ينخر في أحشائِكم *** والهوَى بَينَ خوافِيكُم سَرَى
اسألوا عن كلِّ نصرٍ خالدا *** واسألوا عن كلِّ عدلٍ عمرا
يا رجالَ الحق قدْ طالَ الجوَى *** بلغَ السيلُ الذُّبا وانحدرا
أنتم القدوة والناسُ بكم *** تقَتدي فَخرًا وتَزْهُو مَفخَرَا
وحِّدُوا أشتاتكم واتحدوا *** واربطُوا أحلامَكم ربطَ العُرَى
واصبروا إن عَظُمَ الخطبُ فما *** يدرك النصرَ سِوى مَنْ صبرا
وانصروا الله يَهبْكُم نَصرَهُ *** واشكروه يُعطي من قد شَكَرَا