فهرس الكتاب

الصفحة 5451 من 9994

قال ابن النحاس رحمه الله في هذا المعنى كلاماً نفيساً، قال:"فمن أخلص لله النية أثر كلامه في القلوب القاسية فلينها وفي الألسن الذربة فقيدها وفي أيدي السلطة فعقلها، وأما زماننا هذا فقد قيد الطمع ألسن العلماء فسكتوا ولم تساعد أقولهم أفعالهم ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم".

يقوله ابن النحاس هذا القول منذ قرون مضت ليس منذ عشر سنوات أو عشرين، يقول عن زمانه واختلال الأمر في أحوال علماءه، فكيف بحالنا وأحوالنا، ثم يقول ابن القيم في هذا المعنى:

"رأس التقوى والإحسان خلوص النية في إقامة الحق والله سبحانه وتعالى لا غالب له فمن كان معه -أي معه الله عز وجل- فمن الذي يغلبه، أو يناله بسوء"

إن كان الله مع العبد فممن يخاف، وإن لم يكن معه فمن يرجو بمن يثق ومن ينصره من بعده، فإن كنت قد قلت القول لله فأنت مستمد قوتك من نصر الله ومن تأييد الله ولا تخشى أحدا إلا الله ويثبتك الله ، ويزيد في قلبك الجرأة والشجاعة والثبات، وإن كنت لغير الله خفت كل أحد سواه وإن كان مقصدك شيئا من مبتغى الدنيا فإنه لا أثرا لذلك ولا نفع فيه وهذا أمر مهم.

ويتلوه أمر رابع وهو: الشجاعة والجرأة فإن الجبن والذل والخوف عقد الألسنة فلم تعد تقول حقا، ولم تعد تنطق بخير، ولم تعد تنكر منكرا في جملة أحوالها، وتلك الشجاعة من دلائل قوة الإيمان ورسوخ اليقين، وتلك الشجاعة من آثار القبول، وبعض الناس قد لا يفقه هذا، إن مرتكب المنكر ذليل في حقيقة الأمر بذلِّ معصيته ، وذلّ منكره ، وذلّ مخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفيه ذل أيضا من خشية فضحه بين الناس في بعض الأحوال ، وفيه ذل أيضا بتخويفه من العقوبة الأخروية التي يؤمن بها ، وإن غطى ذلك بانغماسه في تلك المعاصي والمنكرات، فإن المنكر أقوى منه، وأشجع وأقدر على أن تقول الحق وأن تبينه، وكم من قائل بالحق بجرأة مع إخلاصه ومع استشعاره لعظمة هذه الشعيرة وغيرته وحميته الإيمانية قال قولا لمن هو أقوى وأكثر سلطانا وجاها ومالا فكان لقوله أثر في خوف ذاك، وفي اعتذاره وعلى أقل شيء في استتاره وسكوته، غير أننا عندما نرى الباطل منتفشا وربما يكون مرتكبه كما نقول قويا يداخلنا خوف وخشية لا ينبغي أن تكون على تلك الصورة التي نرى كثيراً من شواهدها وأمثلتها .

ولعلنا هنا نشير إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا فقال: ( ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بالحق إذا علمه )

والحديث الأشهر الأكثر رواجاً وحفظا بين الناس، حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذنا في الله لومة لائم ) .

تلك البيعة التي بايعها الأنصار في أول الإسلام، قبل أن يكون جهاد وقبل أن يشرع قتال، قالوها وبايعوا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}

ومن هنا ندرك من أين تأتي هذه الشجاعة والقوة إنها من الأمر الأول السابق وهو الإخلاص لله عز وجل والثقة به ، والاعتماد عليه والالتجاء إليه ، وحسن الظن به ، والتماس الرجاء فيما عنده من الأجر والثواب، ذلك يدفع المرء إلى أن يكون على هذا المعنى وعلى هذا السمت المهم من سمات قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد قالها ولقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم وكثير من أئمتنا وعلمائنا بل وآحاد وأفراد المسلمين في كل عصر ومصر، وتكررت تلك الحوادث ولنا إليها عود من بعد.

وفي هذا المقام نتمم بالسمة الخامسة، وهي العلم والحلم؛ فإن هذه الشجاعة التي ذكرناها قد تصبح تهورا وحمقا، وقد تصل إلى مخالفة شرع الله عز وجل ونحن قوم لا ننطلق من دوافع أنفسنا ومن ردود الأفعال بل نحن منضبطون بأفكار الشرع وبضوابط الكتاب والسنة .

ولذا لا بد من العلم بما يأمر به وبما ينهى عنه وليس شرط أن يكون عالماً بكل شيء أو من كبار العلماء ، لكن إن علم حكماً ، وعلم وجوبه ، وعلم الدليل عليه ، وكان من الأمور الظاهرة المعروفة من الواجبات والأركان أو من المحرمات المنهي عنها قطعاً بلا أدنى شك وبلا أدنى اختلاف فيها، فإن الأمر حينئذ قد حق فيه العلم وصدق فيها وصف العلم به ، وهنا يجمع منع العلم الحلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت