فإن الغضبة والحمية للإنكار المنكر والشجاعة فيه لا تمنع، بل العلم والحلم يوجب التدرج ويوجب ما نفقهه من قول الله عز وجل في خطابه جل وعلا لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام عندما بعثا وأرسلا إلى فرعون أطغى أهل الأرض، قال: { فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى } .
البدء كذلك والعلم فيه، العلم بالمصالح والمفاسد وأن لا ينكر منكراً صغيراً يعلم أو يترتب عليه منكراً أكبر، وفيه تفصيلات وفروع مهمة لا بد من معرفتها ولا بد من الإلمام بها لكننا لا نجعل ذلك ذريعة أن نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا سئلنا لما قلنا نحن لا علم لنا، ولا بد أن يكون الآمر والناهي عالما، فيكون عالما بما يأمر عالما بما ينهى، فهل عندكم شك في أن الخمر محرمة، وأن مرتكبها أو شاربها ينكر عليه والدليل على ذلك واضح والحكم مستفيض ومثل ذلك في أمور الواجبات، هل ينكر أحد وجوب الصلاة أو جوب الزكاة أو جوب الصيام فتارك ذلك مما ينكر عليه ويذكر ويؤمر بالمعروف، فأمور الدين المعلومة من الدين بالضرورة والأحكام التي توافرت أدلتها وعلم حالها وعرف ما يتصل بها في كلام أهل العلم وفي أحوال أمة الإسلام، أمرها بين ظاهر، وكل ذلك مما يعيننا على الأداء لهذه المهمة والشعيرة، أسأل الله عز وجل أن يحيي الغيرة الإيمانية في قلوبنا وأن يرزقنا الإخلاص لربنا وأن يوفقنا للعمل على طاعته والنهي عن معصيته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد معاشر الأخوة المؤمنون:
وإن من دلائل التقوى الغيرة على حرمات الله عز وجل وإنكار المنكر والأمر بالمعروف، ولعلنا نختم بأمر مهم فيما نحتاج إليه وهو أمر الطاعة والعصمة؛ فإن الحمية الإيمانية والشجاعة والجرأة وغيرها لا تكون سببا إلى إثارة الفتنة والبلبلة وإشاعة الفوضى وتجاوز الحدود وممارسة الإنكار بصور لا يسمح بها الشرع، ومن أجل ذلك وأعظمه ترك السمع والطاعة لولي الأمر والخروج عليه والظن بأن إنكار المنكرات طريقه مثل هذا، ويغيب هنا أمور ومسائل كثيرة يضيق المقام عن حصرها، غير أني أشير إلى ربطنا بقضية العلم، وخير الهدي هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم من كان يغار على حرمات الله وينكرها هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال لنا في حديثه الصحيح: ( من كره من أميره شيء فليصبر، فإنه من خرج عن السلطان شبرا فمات، مات ميتة جاهلية ) رواه ابن عباس في صحيح البخاري .
وقال ابن بطال في هذا الحديث:"في الحديث بيان على ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء".
وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك عنه عليه الصلاة والسلام: ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم - أي الدعاء بينكم متبادل- وشرارا أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ) ، فقال رجل: يا رسول الله ، أفلا ننابذهم بالسيوف، قال: ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة ) .
هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل اندفاع طائش وكل عمل خارج عن ضوابط الشرع؛ فإنه هو في ذاته منكر ويترتب عليه من المنكرات ما هو أعظم .
ومن هنا كان من اعتقاد أهل السنة والجماعة المحافظة على الطاعة والعصمة والحرص عليها كما قال الطحاوي:"ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والاستقامة".
ومثل هذا المعنى مهم وهو متمم لذلك ؛ فإن الدعوة إلى الغيرة الإيمانية والشجاعة والجرأة منضبط بمثل هذه المعاني في العلم، ولنا تتمة نوضح بها كيف نطبق هذا عملياً ؛ فإنني أرى أن هذا الأمر لا بد فيه من استكمال صورته وتحديد خطواته ورسم معالمه، لأنه إذا تقاعسنا عنه فلم نعرف أهميته ولم نعرف واجبنا كأفراد نحوه، ولم نعرف طريقته وآليته بقينا على ما نحن عليه من التخلف والتقصير في هذه الشعيرة وجاء لنا وحل بنا وشاع فينا من السوء والضر والشر ما يتعاظم بالتقصير في هذه الشعيرة .
نسأل الله عز وجل السلامة والعافية ، وأن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وأن يقيم في مجتمعاتنا الدين والإيمان والإسلام والخلق والقيم الفاضلة .