فهرس الكتاب

الصفحة 5503 من 9994

فجاء رجل مؤمن، انظروا كيف يتم ضبط الأعصاب، انظروا كيف التصرف في المواقف الحاسمة: ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) ، ماذا سيفعل هذا الرجل؟

أهل القرية يهددون الرسل، أهل القرية يعلنون الشرك علانية، انتبهوا معي بدقة إلى أصل القصة، مشركون بالله ويستهزؤن بالرسل، يعلنون أنهم سيعذبونهم وسيقتلونهم، ويأتي الرجل يسعى ماذا سيفعل؟ ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) .

أرأيتم الأسلوب، أريتم ضبط الأعصاب، أرأيتم كيف التصرف في مواقف الشدة، يقول يا قومي، بأحب الألفاظ إليه، وكان المتوقع بحدود فهمنا القاصر أنه مادام هؤلاء يهددون الرسل ويؤذنهم ويريدون أن يقتلوهم أن يأتي هذا ويلتحم بمعركة مع هؤلاء المشركين، لا، بل يقول بأحب الألفاظ إليهم: ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

هل ستواجهون منكرا أعظم من هذا؟ أي منكر رأيتموه لن يكون أعظم من منكر أهل القرية، لأن أهل القرية مشركون كفروا بالله، هددوا الرسل، استهزئوا بالله، ومع ذلك يأتي هذا الرجل ويقول هذه الكلمات الهادئة، هذه الكلمات العاقلة، هذه الكلمات المطمئنة، ويثني الله جل وعلا عليه في نهاية القصة: ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) .

فإذا رأيتم منكرا لا نقول لا تغيروه، كلا وحاشا، ولكن ضبط الأعصاب مطلب شرعي لنعرف كيف نتصرف.

إذا اللهَ الله بالحلم وتدريب النفس على ذلك، الحلمَ الحلم، وإنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، وقدوتنا في ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

روى أنس أن رجلا جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجذبه من عنقه قال يا محمد أعطني من مال الله، يقول أنس حتى رأيت أثر الجذبة بين رقبة وحتفه (صلى الله عليه وسلم) ، ماذا فعل (صلى الله عليه وسلم) ؟ تبسم وأعطاه حتى أرضاه. حلم عجيب ولا عجب فهو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

يوسف عليه السلام:

تصوروا أن إخوانه الذي آذوه، وألقوه في البئر حتى سيق مملوكا، واشتري بثمن بخس، وسجن سنوات طويلة، ثم بعد ذلك يصبح عزيز مصر، فلما جاءت قصة أخيه قال أخوته:

( قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) ، ماذا يقصدون ؟

يقصدون يوسف عليه السلام، هذا الذي أذوه وأهانوه وهو الآن عزيز مصر، ماذا فعل يوسف؟ وانظروا إلى ضبط النفس:

( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) .

حتى ما أراد أن يجرح مشاعرهم بهذه الكلمة، نعم حتى كلمة (أنتم شر مكانا) ما نطقها بل قالها سرا في نفسه،مع أنه وهو في موقعه عزيزا لمصر يستطيع أن يأخذهم وأن يعاقبهم وأن يعذبهم وأن يقتلهم، لكن مجرد أن يجرح مشاعرهم مع أنهم أذوه من قبل، بل وإلى الآن هم يجرحون مشاعره عندما قالوا: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) ، يتهمونه بالسرقة أيضا رغم أنه لم يسرق عليه السلام، وإنما هي تهمة لُبّست عليه وهو صغير، ومع ذلك لم يرد عليه السلام أن يجرح مشاعرهم، وهذا والله هو كظم الغيظ مع القدرة على التنفيذ، مع القدرة على المعاقبة.

عندما كان عليه السلام صغيرا وأخذوه وألقوه في البئر لم يكن يملك من أمره شيئا، ولكن الآن هو عزيز مصر ولو أراد أن ينتقم منهم لفعل، ولكن ليست قصة انتقام، بل حتى أن يجرح مشاعرهم بكلمة واحدة لا يريد.

الأحنف وهو سيد قومه يقال أنه إذا غضب غضبَ له مائة ألف لا يسألونه فيما غضب، لكن متى يغضب الأحنف؟ قيل له ممن تعلمت الحلم؟:

قال تعلمته من قيس ابن عاصم حيث كان يوما جالسا مع أصحابه في مجلسه، فجاءوا له برجل مقيد يرسف بالحديد، وقالوا له: هذا أبن أخيك قتل ابنك.

فالتفت إلى أبن أخيه وقال: يا ابن أخي أقتلت ابن عمك وأسأت إلى لرحمك، وأثمت نفسك.

ثم التفت إلى ابنه وقال قم أطلق سراح ابن عمك، وأدي الدية إلى أمك، وجهز أخاك ثم آذنا بعد ذلك، واستمر في مجلسه، نعم لم يتحرك من مجلسه. الله أكبر.

ميمون ابن مهران:

كان جالسا مع أصحاب في مجلسه، فجاءت الجارية تحمل مرقة حارة لتقدمها لهم، فعثرت وسقطت المرقة على ميمون ابن مهران، فغضب غضبا شديدا، وكاد أن يعاقبها.

فقالت له حسبك، ألم تسمع إلى قوله تعالى: (والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فكظم غيظه.

قالت ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) قال قد عفوت عنك.

قالت: (َاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال أنتي حرة لوجه الله جل وعلا.

الحلم أيها الأخوة زين ومن زينة الرجال:

ألا إن حلم المرء أكرم نسبة تسامى بها عند الفخار حليم

فيا رب هب لي منك حلما فإنني أرى الحلم لم يندم عليه كريم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت