فهرس الكتاب

الصفحة 5537 من 9994

أيها المسلمون، أرأيتم الرجل الذي ذكره النبي: (( يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء؛ يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ) ) [5] . لقد استجمع هذا الرجل من صفات الذل والمسكنة والحاجة والفاقة ما يدعو إلى رثاء حاله، ويؤكد شدة افتقاره، تقطعت به السبل، وطال عليه المسير، وتغربت به الديار، وتربت يداه، واشْعَثَّ رأسه، واغبرَّت قدماه، ولكنه قد قطع صلته بربه، وحرم نفسه من مدد مولاه، فحيل بين دعائه والقبول. أكل من حرام، واكتسى من حرام، ونبت لحمه من حرام، فردَّت يداه خائبتين.

بربكم ماذا يبقى للعبد إذا انقطعت صلته بربه، وحُجب دعاؤه، وحيل بينه وبين الرحمة؟! لمثل هذا قال بعض السلف: لو قُمت في العبادة قيام السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك.

وإن العجب كل العجب ـ أيها الأخوة ـ ممن يحتمي من الحلال مخافة المرض ولا يحتمي من الحرام مخافة النار.

عباد الله، إن أكل الحرام يُعمي البصيرة، ويوهن الدين، ويقسي القلب، ويُظلم الفكر، ويُقعد الجوارح عن الطاعات، ويوقع في حبائل الدنيا وغوائلها، ويحجب الدعاء، ولا يتقبل الله إلا من المتقين.

إن للمكاسب المحرمة آثاراً سيئة على الفرد والجماعة؛ تُنزع البركات، وتفشو العاهات، وتحل الكوارث. أزمات مالية مستحكمة، وبطالة متفشية، وتظالم وشحناء.

أيها المسلمون، ويل للذين يتغذون بالحرام، ويُربون أولادهم وأهليهم على الحرام، إنهم كشارب ماء البحر كلَّما ازدادوا شرباً ازدادوا عطشاً، شاربون شرب الهيم، لا يقنعون بقليل، ولا يغنيهم كثير. يستمرئون الحرام، ويسلكون المسالك المعوجة؛ رباً وقمارٌ، وغصبٌ وسرقةٌ، تطفيفٌ في الكيل والوزن والذرع، كتمٌ للعيوب، سحرٌ وتنجيمٌ وشعوذة، أكلٌ لأموال اليتامى والقاصرين، أيمان فاجرة، لهو وملاه، مكرٌ وخديعة، زور وخيانة، مسالك معوجة، وطرق مظلمة، في الحديث الصحيح عند البخاري والنسائي: (( يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام ) ) [6] . زاد رزين: (( فإن ذلك لا تجاب لهم دعوة ) ) [7] .

أيها العمال والموظفون، أيها التجار والصناع، أيها السماسرة والمقاولون أيها المسلمون والمسلمات، حقٌ عليكم تحري الحلال والبعد عن المشتبه، احفظوا حقوق الناس، أنجزوا أعمالهم، أوفوا بالعقود والعهود، اجتنبوا الغش والتدليس، والمماطلة والتأخير، اتقوا الله جميعاً، فالحلال هنيء مريء، ينير القلوب، وتنشط به الجوارح، وتصلح به الأحوال، وتصحُّ به الأجسام، ويستجاب معه الدعاء.

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، ونسألك اللهم الغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، استجب اللهم يا ربنا دعاءنا.

[1] صحيح، صحيح البخاري: كتاب البيوع - باب كسب الرجل وعمله بيده، حديث (2072) .

[2] ضعيف، أخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة - باب حدثنا هنّاد... حديث (2520) ، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث إسرائيل... وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث إسرائيل، ولم يعرف اسم أبي بشر. اهـ. قلت: أبو بشر هذا قال فيه الحافظ في التقريب: مجهول. وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (3520) ، والحاكم (4/104) ، قال ابن الجوزي: قال أحمد: ما سمعتُ بأنكر من هذا الحديث. فيض القدير (6/86) ، وضعّفه السيوطي، الجامع الصغير (8522) .

[3] صحيح، أخرجه أحمد (2/177) ، والحاكم (4/314) وسكت عنه، والبيهقي في شعب الإيمان (4801) ، قال المنذري في الترغيب: رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن (2/345) ، وكذا قال الهيثمي في المجمع (10/295) ، والحديث وإن كان في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف إلا أن رواية عنه هو عبد الله بن وهب وروايته عنه صحيحه كما ذكر الحافظ في التقريب. ورمز له السيوطي بالحسن في صحيح الجامع (912) ، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة (733) .

[4] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب المناقب - أيام الجاهلية، حديث (3842) .

[5] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الزكاة - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب... حديث (1015) .

[6] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب البيوع - باب من لم يبال من حيث كسب المال، حديث (2059) .

[7] ذكر هذه الزيادة المنذري في الترغيب 2/347) وسكت عنها.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أحلَّ لنا الطيبات، وحرَّم علينا الخبائث، وجعلنا على المحجة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأوفياء، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت