فهرس الكتاب

الصفحة 5649 من 9994

اللّه لنا ولكم العافية. اللّهم لا تَحْرِمْنَا أجرهم ولا تَفْتِنا بعدهم،

واغفر لنا ولهم"."

وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في

قبورهم، ورأوهم بعيونهم يعذبون في قبورهم في آثار كثيرة معروفة، ولكن لا يجب

ذلك أن يكون دائمًا على البدن في كل وقت، بل يجوز أن يكون في حال دون حال.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه"أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثًا،"

ثم أتاهم فقام عليهم فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أميَّة بن خَلف، يا

عُتْبَة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟

فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا". فسمع عمر رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم . فقال: يا"

رسول اللّه، كيف يسمعون وقد جيَّفُوا؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع

لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في

قَلِيب بدر"."

وقد أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم

وقف على قَليب بدر فقال:"هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟"، وقال:"إنهم"

ليسمعون الآن ما أقول"، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: وَهِم َابن عمر، إنما قال"

رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إنهم ليعلمون الآن أن الذي قلتُ لهم هو الحق ثم قرأت قوله

تعالى: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80] حتى قرأت الآية"."

وأهل العلم بالحديث والسنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر، وإن كانا لم

يشهدا بدرًا، فإن أنسًا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرًا.

كما

روى أبوحاتم في صحيحه عن أنس عن أبي طلحة رضي اللّه عنه"أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر"

بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طَوِىِّ" [أي: بئر مطوية] "من

أطواء بدر، وكان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم في عَرْصَتِهم"[العَرْصَة: كل"

بُقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء]"ثلاث ليال. فلما كان اليوم الثالث"

أمر براحلته فشد عليها فحركها، ثم مشى وتبعه أصحابه. وقالوا: ما نراه ينطلق

إلا لبعض حاجته؛ حتى قام على شفاء الرَّكِي [أي: البئر] ؛ فجعل يناديهم

بأسمائهم وأسماء آبائهم، يافلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم اللّه ورسوله؟

فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا. فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ً؟ قال عمر

بن الخطاب: يا رسول اللّه، ما تكلم من أجساد ولا أرواح فيها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"."

قال قتادة: أحياهم اللّه

حتى سمعهم، توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة وحسرة وتنديمًا.

وعائشة تأولت فيما

ذكرته كما تأولت أمثال ذلك.

والنص الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على تأويل من تأول

من أصحابه وغيره، وليس في القرآن ما ينفي ذلك فإن قوله: إنك لا

تسمع الموتى [النمل: 80] إنما أراد به السماع المعتاد، الذي ينفع

صاحبه، فإن هذا مَثَل ضُرِب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع

قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل

الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [البقرة: 171] .

فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل، لا يجب أن ينفى عنهم جميعُ السماع المعتاد

أنواعَ السماع، كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد

الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم.

وقد ثبت في الصحيحين

وغيرهما أن الميت يسمع خَفْق نعالهم، إذا ولوا مدبرين، فهذا موافق لهذا،

فكيف يدفع ذلك؟ ومن العلماء من قال: إن الميت في قبره لا يسمع ما دام ميتًا،

كما قالت عائشة، واستدلت به من القرآن.

وأما إذا أحياه اللّه فإنه يسمع كما

قال قتادة: أحياهم اللّه له.

وإن كانت تلك الحياة لا يسمعون بها، كما نحن

لا نرى الملائكة والجن، ولا نعلم ما يحس به الميت في منامه، وكما لا يعلم

الإنسان ما في قلب الآخر، وإن كان قد يعلم ذلك من أطلعه اللّه عليه.

وهذه

جملة يحصل بها مقصود السائل، وإن كان لها من الشرح والتفصيل ما ليس هذا موضعه،

فإن ما ذكرناه من الأدلة البينة على ما سأل عنه ما لا يكاد مجموعًا .

وصلى

اللّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

هامش

(1) هذه فتوى من تراث السلف وهي

لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت