وأدان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كل من يبيت شبعانَ وهو يعلم أن جيرانه من حوله جياع، بل وأخرجهم من دائرة المؤمنين ( فقد قال صلى الله عليه وسلم:(( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ) )أخرجه الطبراني والبزار، كنز العمال 9/53.).
فنفهم من هذا التوجيه النبوي أنه بما أن كرتنا الأرضية أصبحت أشبه بقرية عالمية صار من واجب كل غني سواء كان فرداً أم مجتمعاً أم قطراً أم هيئة دولية أن يعتني ويطعم ويساعد كل فقير محتاج مجاور لنا في هذه القرية العالمية ( وهذا ما يُفهم من قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} سورة النساء: [ الآية: 36 ] . )
وحرر الإسلام المرأة من ظلم الرجل وأعطاها الحق في أن تدافع عن حقوقها، وجعلها المنتصرة وإن كانت وحدها، وكانت الأكثرية البرلمانية ضدها (وهذا ما حصل فعلاً زمن خلافة سيدنا عمر بن الخطاب، فقد أراد أن يحدد مهور النساء فقامت خولة بنت ثعلبة، فقالت: (( ليس لك ذلك يا بن الخطاب، فإن الله تعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارا} أتدري كم هو القنطار ؟! فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر.) .
ونهى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن الزنا حفاظاً على قدسية المرأة وحقوقها (وفي ذلك يقول تعالى في سورة الإسراء: [الآية: 32 ] ، {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} .) فلا يجوز لامرأة أن تبيع جسدها للآخرين؛ سواء كانوا عزاباً أم متزوجين، لأن ذلك يعطل فتيات كثيرات عن الزواج، ويفك رباط الزوجية المقدس، ويضيع الأولاد والأسرة، وينشر الأمراض الجنسية التي كثرت في هذه الأيام وأصبح الشفاء من بعضها شبه المستحيل.
واعتنى الإسلام بالطفل والطفولة، وجعل في الجنة داراً اسمها الفرح، يدخلها من أدخل الفرح على قلوب الصغار (إشارة إلى حديث(( إن في الجنة داراً يُقال لها دار الفرح لا يدخلها إلا من فرّح الصبيان ) )، رواه ابن عدي عن عائشة، كنز العمال 1/170.)، ولم يسمح الإسلام حتى للحاكم أن يتقدم على الطفل في أي حق من الحقوق إن كان دور الطفل قبل دور الحاكم.
وعلى صعيد الجماعة دعا النبي محمد صلى الله عليه وسلم الجميع ليعملوا معاً لصالح مجتمعهم ( وورد في هذا المجال قوله صلى الله عليه وسلم:(( يد الله على الجماعة ) )أخرجه الترمذي في الفتن برقم ( 2166 ) . )، وجعل الجنسية التي تربطهم جنسية العلم (وفي هذا إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم(( ليس منا إلا عالم أو متعلم... ) )رواه ابن النجار والديلمي عن ابن عمر كنز العمال 10/168.) والحكمة (فقد حدد الله مهمة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء: تعليم الكتاب والحكمة والتزكية، فقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} سورة الجمعة: [ الآية: 2 ] .) والأخلاق ( فقد قال صلى الله عليه وسلم:(( إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) )رواه الترمذي في كتاب [ الإيمان ] ، باب ( في استكمال الإيمان والزيادة والنقصان، رقم( 2615 ) ، وقال: حديث حسن صحيح.).
وباعتبار أن تقدم المجتمع يقاس بالتقدم العلمي أمر الإسلام المسلم بطلب العلم بلا توقف، وجعله واجباً من المهد إلى اللحد ( فقد قال صلى الله عليه وسلم:(( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) )رواه ابن عدي والبيهقي عن أنس والطبراني عن ابن مسعود [ كنز العمال 10/130-131 ] .)، ولم يقتصر على العلوم الدينية بل كل العلوم النافعة، ولو أدى ذلك إلى الترحال في سبيل طلبها (وفي هذا إشارة إلى الحديث الوارد(( اطلبوا العلم ولو بالصين ) )أخرجه العقيلي والبيهقي في الشعب، كنز العمال 10/138. ).
ثم أوجب الإسلام على المتعلم أن يعلم الجاهل مجاناً وهدده بالعقوبة إن رضي بوجود الجاهل دون أن يعلمه (وهذا ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله:(( والله ليعلمن أقوام جيرانهم ويفطنونهم ويفقهونهم ويأمرونهم وينهونهم.. أو لأعاجلنهم العقوبة في دار الدنيا ) )أخرجه البخاري في الوجدان، والطبراني [ كنز العمال 3/685 ] ، وإشارة إلى الحديث (( من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ) )أخرجه الحاكم والخطيب عن ابن عمرو (كنز العمال 10/217) .) هذا وقد رفع محمد صلى الله عليه وسلم منزلة العالم حين ذكر أن أكرم الخلق بعد الرسل شخص تعلم علماً ثم علمه لغيره (أي لم يحتكره لنفسه) ( إشارة إلى الحديث:(( ألا أخبركم عن الأجود ؟ الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل علَّم علماً فنشر علمه يبعث يوم القيامة أمة وحده ) ). أخرجه أبو يعلى، (كنز العمال 10/151) .).