أما فائدة هذه العظمة وحديثنا عنها ؛ فإني أقول: إنه يمكن لنا أن نذكر فائدتين اثنتين تكفينا لنجعل هذا الموضوع موضع اهتمامنا ورعايتنا .
المحبة والإجلال
فإنك لن تعرف شخصاً ، وتدرك عظمته ، وتعرف علمه ، وتلمّ بجوانب سماحته وخلقه وفضله إلا غُرسِت في قلبك محبته ، ومالت نفسك إليه .
ثانيهما: التأثر والاقتداء
فالنفوس بطبيعتها مجبولةٌ بالاقتداء والتأسي بالعظماء .. ألا ترى ملايين الناس من البشر ، لكنك في كل جيل ، وفي كل أمة ، وفي كل بلد ربما لا تجد إلا أعداداً قليلةً هي التي تذكر في الناس ، وتشتهر بينهم ، ويدور حديث الناس عنهم .. أولئك الذين يتصدرون الناس بما لهم من وجوه العظمة ، وما لهم من بصمات وآثار الإنجاز والتأثير والفائدة والنفع .. وحينئذٍ يكونون رواداً قواداً ، والناس على آثارهم مقتدون .. قال تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } .
وجوه عظمة النبي صلى الله عليه وسلم
أولاً: العظمة الذاتية في رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد اقتصرت في كل جانبٍ من هذه الجوانب على عشرة وجوهٍ فحسب ، والعشرة وراءها عشراتٌ أخر ، ولها من النصوص والشواهد القرآنية والنبوية من الأدلة ما هو عشراتٌ وعشراتٌ أخرى .
الوجه الأول: أخذ العهد له صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء والرسل
فالله سبحانه وتعالى يقول: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتابٍ وحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتؤمنون به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } .
وروى أهل التفسير عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس في تفسير هذه الآية بقولهما:"ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمدٌ وهو حيٌ ليؤمنن به ، ولينصرنه ، و أمر الله النبي أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث فيهم محمداً - عليه الصلاة والسلام - وهو حيٌ وهم أحياء ليؤمنن به ، ولينصرنه ..".
وهذا رفعةٌ وعظمةٌ بين الأنبياء وتعريفٌ وتشريفٌ بين البشرية جمعاء .. إذ هذه مكانة عظيمة ، والله جل وعلا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يكون إلا في آخر الزمان ،وأنه خاتم الأنبياء .. فإذا جعل الميثاق على كل نبيٍ بعث أنه يُقرّ ويؤخذ عليه الميثاق إن بعث محمداً وهو حيٌ ، أو بعث في أمته بعد وفاته أن يأخذ العهد والميثاق على الإيمان بمحمدِ صلى الله عليه وسلم وعلى نصرته وأتباعه ؟!
أفلا ترون ذلك عظمةً بين العظماء وهم الرسل والأنبياء ؟ أفلا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ودينه وكتابه والأعظم الأكمل ، الذي جعل الله عز وجل حكمته مستوفيةً لكل ما أراده من الهداية التامة والكمال في هذه الرسالة ، فجعل كل رسل الله وأنبياءه أخذ عليهم العهد ، وأمروا أن يأخذوا عليهم أتباعهم وعلى أممهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأن ينصروه .. ولا شك أن هذا وجهٌ ظاهرٌ واضحٌ بيّن .
الوجه الثاني: إعلام أهل الكتاب بصفته صلى الله عليه وسلم والتعريف به
وأهل الكتاب من اليهود والنصارى على وجه الخصوص ، وفي رسالة موسى عليه السلام وما أنزله الله عليه من التوراة ، وفي رسالة عيسى عليه السلام وما أنزله الله عليه من الإنجيل ذكرٌ مفصلٌ بوصفٍ دقيقٍ وسماتٍ معنوية وأخرى حسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
إن هذا النبي الذي سيبعثه الله من بعد هو نبيٌ عظيم ، ومكانته عالية ، وقدره رفيع ؛ ومن هنا ذكرت هذه الأوصاف ، كما قال جل وعلا: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ما يعرفون أبناءهم } ، ما معنى كما يعرفون أبناءهم ؟ أي كما لا يشك الرجل أن هذا الابن من صلبه ، لعلمه بحاله وحال زوجه ، بل قد لا يكون عنده من الجزم بهذا مثل ما عنده من الجزم بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما ذكر من أوصافه الدقيقة في هذه الكتب .
والله جل وعلا قد قال: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل } ، التوراة ليست كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينزل الإنجيل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم لا كن ذكره فيهما مشعٌ وصفته فيهما ظاهرةٌ فقد روى عبد الله بن عمر بن العاص الحديث الذي يرويه البخاري حين سئل عن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أجل والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن: